الحق إذا تبين دليله، فقد تبين دليله بدونها، وإن كان قصدهم التعجيز وإقامة العذر لأنفسهم، إن لم يأت بما طلبوا فإنهم بهذه الحالة - على فرض إتيان ما طلبوا من الآيات - لا يؤمنون قطعا، فلو جاءتهم كل آية، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم [1] .
أضربوا عن قولهم هو سحر فقالوا هو أضغاث أحلام فـ {أضغاث أحلام} خبر لمبتدأ محذوف والجملة في محل نصب مقول قالوا {بل افتراه} ثم أضربوا عن ذلك فقالوا اختلقه فـ {افتراه} فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ثم أضربوا أيضا فقالوا {هو شاعر} مبتدأ وخبر. {فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا {فليأتنا} و"اللام"لام الأمر و {يأت} فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والفاعل مستتر تقديره هو و {نا} ضمير متصل في محل نصب مفعول به كما يجوز في الكاف أن تكون نعتا لآية أي كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون وعندئذ فـ {ما} موصولة ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف وما مصدرية أي فليأتنا بآية اتيانا كائنا مثل إرسال الأولين. [2]
أما قوله: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَاما بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِاَايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الاوَّلُونَ} فاعلم أنه تعالى عاد إلى حكاية قولهم المتصل بقوله: {هَلْ هَاذَآ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُم أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ} (الأنبياء: 3) ثم قال: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَاما بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} فحكى عنهم ثم هذه الأقوال الخمسة فترتيب كلامهم كأنهم قالوا: ندعي أن كونه بشرًا مانع من كونه رسولًا لله تعالى. سلمنا أنه غير مانع، ولكن لا نسلم أن هذا القرآن معجز، ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن مقدور البشر، قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك سحرًا وإن لم يساعد عليه فإن ادعينا كونه في نهاية الركاكة قلنا: إنها أضغاث
(1) تفسير السعدي المسمى"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" (ص/518) .
(2) إعرا القرآن وبيانه (6/ 282) .