ثم ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار أخفوا النجوى فيما بينهم، قائلين: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا بشر مثلهم، فيكف يكون رسولًا إليهم؟ والنجوى: الإسرار بالكلام وإخفاؤه عن الناس. وما دلّت عليه هذه الآية الكريمة من دعواهم: أن بشرًا مثلهم لا يمكن أن يكون رسولًا، وتكذيب الله لهم في ذلك: جاء في آيات كثيرة. [1]
{وأسروا النجوى} أي: بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون. [2]
{وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أي وأنتم من أهل البصر والعقل. [3]
و {لاهية} نعت تقدّم الاسم ومن حقّ النعت أن يتبع الاسم في جميع الاعراب، فإذا تقدّم النعت الاسم فله حالتان: فصل ووصل، فحاله في الفصل النصب.
قَوْله تَعَالَى {لاهية} هُوَ حَال من الضَّمِير فِي «يَلْعَبُونَ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْوَاوِ فِي {اسْتَمَعُوهُ} [4] .
{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} فعل وفاعل مفعول به. [5]
{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} كان حقّه وأسرّ [الذين ظلموا النجوى] [6] لأنه فعل تقدّم الاسم فاختلف النحاة في وجهه، فقال الفرّاء: الذين ظلموا في محلّ الخفض على أنّه تابع للناس في قوله: {اقَترَب للنّاسِ حِسابُهم} .
وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير أراد والذين ظلموا أسرّوا النجوى.
(1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة محمد الشنقيطي (4/ 691) بإشراف بكر أبو زيد
(2) غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري (5/ 5) .
(3) المصدر السابق (5/ 6) .
(4) التبيان في إعراب القرآن (2/ 911) .
(5) إعراب القرآن وبيانه لمحيي الدين بن أحمد مصطفى درويش (6/ 279) ، دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص، ط-الرابعة: 1415 هـ.
(6) تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2444) بتحقيق أسعد محمد الطيب، طبعة مكتبة نزار مصطفى الباز-مكة، ط-لأولى 1417 هـ.