وإنما سمى الساعة قريبة؛ لأنها كانت لا محالة، وكل ما هو كائن لا محالة فهو قريب، وأيضا فإن ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى قليل، فسمى الساعة قريبة؛ على هذا المعنى. [1]
قال محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي المعروف بالفخر الرازي في"تفسيره" [2] :
اعلم أن قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} فيه مسائل:
المسألة الأولى: القرب لا يعقل إلا في المكان والزمان، والقرب المكاني ههنا ممتنع فتعين القرب الزماني، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب، وقد عبر بعد هذا القول قريب من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقترب عند الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَه ا وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (الحج: 47) . وثانيها: أن كل آت قريب وإن طالت أوقات ترقبه، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر:
فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس
وثالثها: أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر، فإنه لا يقال اقترب الأجل أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: اقترب الأجل، فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ولهذا الوجه قال عليه السلام:"بعثت أنا والساعة كهاتين"وهذا الوجه قيل إنه عليه السلام ختم به النبوة، كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي.
المسألة الثالثة: إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين فيكون أقرب إلى تلافي الذنوب والتحرر عنها خوفًا من ذلك والله أعلم.
المسألة الرابعة: إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتمانه أصلح، كما أن كتمان وقت الموت أصلح.
(1) تفسير أبي المظفر السمعاني (3/ 367) بتحقيق ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس، دار الوطن -الرياض 1418 هـ.
(2) (22/ 121) دار إحياء التراث العربي-بيروت.