فما معنى ذلك؟ وهل الإسلام يناقض نفسه؟ كيف ينفي السيطرة ثم يثبتها كاستثناء من القاعدة بالنسبة للآخر، وما هو الآخر؟ أليس المقصود به من أعرض عن الإسلام وبعد عنه وكفر؟ أم أن ثمة معنى مخصوص يجب توضيحه حتى يزول اللبس، فهذه الشبهة قد تتبادر للذهن، لكنها شبهة غير صحيحة، فالإسلام أعلن في وضوح قاعدة لا إكراه في الدين، و إنما الاستثناء الوارد في هذه الآية و الحديث المشار إليهما يخصصان هذه القاعدة بشأن مناسبة معينة، فالمناسبة التي ورد فيها الحديث المشار إليه كان بصدد غزوة خيبر بين جيش المسلمين و اليهود حينما نقضوا الميثاق مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ لما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعطي الراية لرجل يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، أعطاه لعلي بن أبي طالب، وقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك) قال فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال - صلى الله عليه وسلم - (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) [1] ، فالحديث ورد في معرض البيان عن سؤال طرأ، وبالرجوع إلى أسباب الغزوة يتبين مغزى هذه الإجابة، ذلك أن يهود خيبر خرجوا عن العهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وتولوا عنه، ولم يقتصر الأمر على مجرد الكفر مع الموادعة، إذ لو اقتصر الأمر على ذلك لما كانت ثمة حاجة للسيطرة عليهم وتأديبيهم، و يشهد لذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أغار عليهم وقاتلهم المقاتلة وسبى الذرية قد أفاء الله عليه وأصحابه من الغنيمة حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما قال ما شبعنا حتى فتحنا خيبر" [2] ، فكان من الطبيعي أن يجبرهم على الإسلام لو صدق هذا الفهم المغلوط عن دين الله تعالى، لكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك، و إنما أقام العدل فيهم إذ أعطى لهم خيبر يزرعونها، ولهم شطر ما يخرج منها" [3] ، بمعنى أنه وادعهم على أن يدفعوا ضريبة الحماية والآمان لهم، وهي النصف من ربح رأس المال، وليس عليهم كلفة الدفاع و الأمن، وكان ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، كل ما في الأمر أنه شرط عليهم الالتزام بالقواعد العامة و الآداب العامة للدولة المسلمة فنهاهم عن ربا الفضل، ذلك أنه استعمل
(1) رواه البخاري ج 4 ص 1871 رقم 2405
(2) رواه البخاري ج 13 ص 137 رقم 3915
(3) رواه البخاري ج 8 ص 63 رقم 2124