رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أكل تمر خيبر هكذا) فقال لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين بالثلاثة فقال (لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا" [1] ، لكنهم قابلوا الإحسان إليهم بالإساءة، إذ لما فُتحت أهديت له شاة فيها سم" [2] ، لكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمت إلا بعدها بسنوات متأثرا بهذا السم، ولم تكن محاولة قتله بالسم سببا للانتقام منهم أو فسخ عقد الموادعة معم، الأمر الذي يستفاد منه أن إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤال علي - رضي الله عنه - تعني فرض السيطرة بعد ظهور الخيانة منهم لعهدهم معه.
وبالرغم من حاجة المسلمين للسيطرة على من خانهم إلا أن السيطرة لا تمتد إلى التحكم في عقائدهم ومشاعرهم، وليس في قوله - صلى الله عليه وسلم - (حتى يشهدوا .... ويقيموا الصلاة .. و يؤتوا الزكاة) حجة علينا في ذلك، فهذه الأمور وإن كانت تمثل إظهارا لشعيرة الإسلام، فالمعنى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتريث حينما يعلم أن بالقوم الذين سوف يغير عليهم مسلمين يمارسون حقهم في العبادة وإظهار شعائرهم في سلام و أمان دون اضطهاد أو إذلال، كما ثبت في الحديث (كان إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار حتى إذا نزلن بخيبر ليلا بات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا غزا بالصباح، قال تعالى:"فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا {العاديات/3} "، ولأجل حقن دماء المسلمين من بينهم متى كانوا مستضعفين وفي الإمكان تخليصهم من هذا الاستضعاف بغير طريق القتال كما في صلح الحديبية، يقول المولى سبحانه (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(25) ، فبالرغم من صد كفار مكة عن سبيل الله ومحاربتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأكثر من مرة إلا أن الله سبحانه وضع القتال لكي لا يقتل المسلمون إخوانهم المستضعفين من بين هؤلاء الكفار بغير علم.
وبذلك تتضح علة القتال و علة وضعه ومتى يطلب ومتى لا يطلب، ليكون الأصل هو الحرية بحيث يكون المرء حرا في معتقده في ممارسة شعائره الدينية، و يكون كل أفراد الوطن على عهد
(1) رواه البخاري ج 7 ص 429 رقم 2050
(2) رواه البخاري ج 10 ص 428 رقم 2933