الصفحة 12 من 35

إن أمتنا الإسلامية الآن في أشد الحاجة إلى فقه الأولويات؛ لأن الناظر إلى حياة المسلمين يجد أن ميزان الأولويات فيها مختل أيما اختلال، ويجد هذا الاختلال يشمل جوانب الحياة المختلفة، اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو دينية، ويراه أيضًا لا يقتصر على عوام المسلمين فقط، بل يشمل المتدينين منهم أو المنتسبين إلى التدين، وفيما يأتي بعض مظاهر هذا الاختلال:

فنجد كثيرًا من الناس الآن يشغل نفسه ويشغل الناس بأمور فرعية خلافية يسيرة مثل: اللحية، وتقصير الثياب، والنقاب، والموسيقى، ونحو ذلك، وقد يقيم معارك حامية الوطيس على مثل هذه المسائل، مع أنها مسائل ليست من أصول الدين ولا من أصول العقيدة أو أركان الإسلام الأساسية، وإنما هي مسائل خلافية، الخلاف فيها معتبر ولا يجوز الإنكار على المخالف فيها؛ لأن العلماء الأجلاء اختلفوا فيها ولم يجمعوا على رأى واحد فيها.

تقام المعارك من أجل هذه المسائل، في حين نجد إهمالًا لأمور أصولية وقضايا كبرى تمس جوهر الدين وحياة الأمة، مثل بناء العقيدة الصحيحة، وتقوية أركان الإسلام، ومقاومة الظلم والفساد، وتطبيق الشريعة، وتحرير الأقصى، ونصرة المظلومين، وحفظ نظام الأمة، والنهوض بها من كبوتها في مجال السياسة والاقتصاد والتعليم، وحفظ الضروريات: الدين والنفس والعقل والنسل والنسب والعرض والمال، وغير ذلك من قضايا كبرى، تمس جوهر الدين وتحفظ كيان الأمة.

فعلينا أن نجعل الأولوية للأصول والكليات والقضايا المصيرية الكبرى التي تتعلق بوجود الأمة ولا ننشغل عنها بالمسائل الفرعية اليسيرة.

من مظاهر اختلال ميزان الأولويات في الأمة ما نراه عند كثير من الناس من مبالغة كبيرة في العناية بالشكل والمظهر وإهمال للجوهر أو المضمون، أو عناية بالألفاظ والمباني وإهمال للمقاصد والمعاني. ومن ذلك:

في الصلاة نجد اشتغالًا كبيرًا بالهيئات والشكليات مثل: البسملة، هل يجهر بها أم لا؟ النزول يكون باليدين أم بالركبتين؟ الأصبع في التشهد، هل تحرك أم لا؟ المسبحة والمصافحة بعد الصلاة هما بدعة أم لا؟ نجد اشتغالًا كبيرًا بمثل هذه الأمور، وقد تقام الدنيا ولا تقعد من أجلها، في حين نجد هؤلاء يغفلون عن الخضوع و الخشوع والتدبر وإنهاء الصلاة عن المنكر، مع أن هذه الأمور هي جوهر الصلاة ومقاصدها الأساسية التي شرعت الصلاة من أجلها.

ومثال ذلك أيضًا، إننا نلاحظ بعض الناس عند قراءة القرآن أو سماعه يتشددون كثيرًا في تطبيق أحكام التجويد مثل مخارج الحروف والتفخيم والترقيق وأحكام المدود، ونحو ذلك، في حين نجد إهمالًا كبيرًا لتدبر القرآن والعمل به اللذين هما أهم مقاصد القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت