المبحث الثاني
مراعاة فقه الأولويات
الاجتهاد المقاصدي يؤمن أن أحكام الشريعة والمصالح والمفاسد ليست على درجة واحدة في الأهمية، وإنما بينها تفاوت وترتيب ينبغي أن يراعى في العمل وأن يوضع في الاعتبار.
فالطاعات فيها الأركان والفروض والمستحبات، والمعاصي فيها أكبر الكبائر، والكبائر، والصغائر، والمصالح فيها الضروري، والحاجي، والتحسيني، والأصلي، والتابع أو المكمل، وبين كل ذلك تفاوت كبير.
والاجتهاد المقاصدي يؤمن بذلك كله، ويراعيه في الاجتهاد، فيقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير ويضع كل شيء في موضعه الذي يليق به، ولا يكبر الصغير، ولا يهون الخطير.
وهناك أدلة كثيرة من القرآن والسنة تؤكد أن الأعمال والمصالح متفاوته فيما بينها، وإليك هذه الأدلة:
الأدلة على أن الأعمال والمصالح بينها تفاوت وتفاضل:
في القرآن الكريم والسنة النبوية أدلة كثيرة تؤكد أن الأعمال والمصالح بينها تفاوت وتفاضل في الأهمية والخطر وأن المطلوب مراعاة هذا التفاوت والبدء بالأعلى مرتبة. ومن هذه الأدلة:
أولًا: في جانب الطاعات:
1 -قوله تعالى:"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" [التوبة: 19، 20] .
2 -عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن فقال:"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ..." [1]
3 -قوله (صلى الله عليه وسلم) :"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان". [2]
فليست شعب الإيمان مركوم بعضها فوق بعض، وليست في درجة واحدة أو في مكانة واحدة، بل هي متفاوتة الخطر والقيمة، ولكل منها وضع وقدر لا يعدوه.
(1) رواه البخارى (كتاب المغازي-باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن)
(2) رواه مسلم (كتاب الإيمان-باب بيان عدد شعب الإيمان .... ) وأبو داود (كتاب السنة-باب رد الإرجاء)