وأخيرًا أنبه على أننا لا نحتاج إلى الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد إلا عند حصول التعارض أو التزاحم، فالأصل هو الجمع بين المصالح ما أمكن، ودرء المفاسد ما أمكن بغض النظر عن وزنها ومرتبتها. والأصل هو تحصيل المصلحة دون الوقوع في شيء من المفاسد المرتبطة بها، وهو اجتناب المفسدة دون تضييع المصلحة المرتبطة بها فإذا تعذر هذا لجأنا إلى الموازنة والترجيح" [1] ."
المبحث الرابع
مراعاة الحاجة
من السمات المهمة عند أصحاب الاجتهاد المقاصدي أنهم يراعون حاجات الناس ولا يغفلون عنها، ويعملون بالقاعدة الشرعية الثابتة:"الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة". [2] .
والأصل في ذلك نصوص كثيرة من القرآن والسنة، منها:
* قوله تعالى:"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" [البقرة: 185] .
* وقوله تعالى:"يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا" [النساء: 28] .
* وقوله تعالى:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ..." [الحج 78] .
* وقوله (صلى الله عليه وسلم) :"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا". [3]
* وقوله (صلى الله عليه وسلم) :"أحب الدين إلى الله الحنفية السمحة". [4]
وأن المقصد العام للشريعة هو جلب المصالح ودرء المفاسد لقوله تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" [الأنبياء 107] . يقول الإمام ابن القيم:"فإن"الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ...". [5] "
ويقول الإمام الشاطبي:"والمعتمد إنما هو أنَّا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد ...". [6]
كما أن المنع من الشيء مع حاجة الناس إليه يؤدي إلى ضرر، والضرر مرفوع بقوله (صلى الله عليه وسلم) :"لا ضرر ولا ضرار" [7]
(1) السابق ص 199.
(2) الأشباه والنظائر ص 88.
(3) أخرجه البخارى (كتاب الأدب - باب قول النبى(ص) يسروا ولا تعسروا .. ) ومسلم (كتاب الجهاد والسير - باب الأمر بالتيسير وترك التنفير)
(4) أخرجه الطبرانى في الأوسط (7/ 229) وذكره البخارى تعليقًا في (كتاب الإيمان، باب الدين يسر) وصححه الألبانى في الصحيحة برقم (881) .
(5) إعلام الموقعين 3/ 3.
(6) الموافقات 2/ 6.
(7) سبق تخريجه.