الصفحة 32 من 35

من أحدث أثناء الطواف فإنه يشق عليه جدًّا أن يذهب ويتوضأ؛ لذا فإنه يستحسن هنا أن نأخذ برأي من لم يشترط الطهارة للطواف أو من أجاز الطواف في مثل هذه الحال.

يقول الشيخ ابن عثيمين: «وما كان فيه مشقَّة شديدة، ولم يظهر فيها النص ظهورًا بيِّنًا، فإنه لا ينبغي أن نلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر» [1] .

إذا كان التيسير ورفع الحرج من مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن الله أراد لنا التخفيف، فما الحكمة إذن من التكليف بالواجبات التي تشتمل على مشقات.

يجيب عن ذلك الإمام الشاطبي بأن الشارع وإن كان قد أمر ببعض التكاليف التي تشتمل على مشقة فإنه غير قاصد نفس المشقة التي فيها [2] ، ففي جميع الحالات الشارع لا يقصد المشقة، بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلف من هذه الأعمال [3] .

ورتب الشاطبي على هذا أصلًا آخر، وهو أن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظرًا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل. ولهذا كان قصد المشقة قصدًا باطلًا، ومضادًا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به [4] .

قلت: ويؤكد ما قرّره الشاطبي ما ورد في السنة من رد بعض الأعمال التي قصدت فيها المشقة لذاتها دون أن يترتب على هذه المشقة مصلحة، من ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال: «بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليُتِمَّ صومه» [5] .

وعن ابن عباس أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية قال: «إن الله لغني عن نذرها، مرها فلتركب» [6] .

(1) الشرح الممتع 3/ 476.

(2) بدليل النصوص الدَّالَّة على التيسير، وما ثبت من مشروعية الرخص.

(3) الموافقات 2/ 123.

(4) السابق 2/ 128.

(5) رواه البخاري (كتاب الأيمان والنذور- باب) ؛ وأبو داود (كتاب الأيمان والنذور- باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية) .

(6) رواه أبو داود في الموضع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت