الصفحة 13 من 35

ومثال ذلك في العادات: أننا نجد أناسًا يبالغون في الاهتمام بشكل الثوب، طوله وقصره، والجلوس على الأرض عند تناول الطعام، ولعق الأصابع ونحوه، ويهملون جوهر هذه الأمور ومقصدها، وهو التواضع وصيانة النعمة وعدم الإسراف والمخيلة.

هذا، وليس معنى ذلك إهمال الشكل والهيئات الظاهرة بل المقصود هو عدم إعطائها أكثر من حجمها، وعدم وضعها في غير موضعها، وعدم الاهتمام بها على حساب الجوهر، فإن الاهتمام بالشكل غالبًا ما يكون على حساب الجوهر، كما قال معاوية رضي الله عنه:"ما رأيت تبذيرًا إلا وبجانبه حق مضيع" [1] .

فالأولى هو الاهتمام بالجوهر أو المضمون والمقصد أو المعنى، ثم يأتي بعد ذلك الاهتمام بالشكل أو المظهر واللفظ أو المبنى، فمن القواعد المقررة والثابتة أن

"العبرة بالمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني". [2]

هذا وإن للمبالغة في الوقوف عند الرسوم والظواهر والشكليات، والتشدد في أمرها آثارًا غير محمودة، منها:

أ- غياب المقاصد والمعاني وتفريغ العبادات من روحها ومضامينها، فتغدو العبادات في الغالب أشكالًا وظواهر لا تأثير لها في السلوك، فيقرأ القرآن بلا تدبر، وتصلى الصلاة بلا خشوع ولا تناهٍ عن المنكر.

ب- ضياع الجهود والأوقات في غير ما ينبغي ضياعها فيه، ويا حبذا لو صرفت تلك الجهود في العناية بالجواهر والمقاصد.

جـ- توسيع دائرة الخلاف بين المسلمين بكثرة الجدال والنزاع في أمور ليست جوهرية، وما كان الصحابة الكرام يعيب بعضهم على بعض عند الاختلاف فيها.

د- سوء التقدير للمصالح أو المفاسد في بعض الفتاوى الشرعية مما يؤدي إلى فوات مصالح مهمة أو جلب أضرار بالغة كنا في غنى عنها. [3]

من المعلوم ومن المقرر أن الفروض والواجبات آكد و أولى من السنن والمستحبات بكثير؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي:"ما تقرب إليّ عبدى بشيء أحب إلىَّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ...". [4]

(1) نهاية الأرب في فنون الأدب 1/ 153 (القسم الثالث-باب احتجاج البخلاء وتحسينهم للبخل)

(2) انظر: أعلام الموقعين 3/ 19.

(3) انظر: فقة الأولويات، محمد الوكيلى، ص 30.

(4) رواه البخاري (كتاب الرقاق-باب التواضع) ، وابن حبان (كتاب البر والإحسان-باب ما جاء في الطاعات)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت