ومثله من يصوم الإثنين والخميس، فيجهده الصيام، وخصوصًا في أيام الصيف، فيمضي إلى عمله مكدودًا مهدودًا، وكثير ما يؤخر مصالح الناس بتأثير الصيام عليه، والصوم نفل غير واجب ولا لازم، وإنجاز مصالح الخلق واجب ولازم.
وقد نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) المرأة أن تصوم تطوعًا، وزوجها شاهد - حاضر غير مسافر - أي بإذنه [1] ، لأن حقه عليها أوجب من صيام نافلة.
ومثل ذلك أيضًا حج التطوع، وعمرة التطوع، فمن المتدينين من يحج الحجة الخامسة أو العاشرة ... وفى كل عام في شهر رمضان يذهب للعمرة، وينفق ألوف الجنيهات ... وهناك مسلمون يموتون من الجوع - حقيقة لا مجازًا - في بعض الأقطار كالصومال، وآخرون يتعرضون للإبادة الجماعية ... وهم في حاجة إلى أي معونة من إخوانهم، لإطعام الجائع، وكسوة العاري، ومداوة المريض، وإيواء المشرد، وكفالة اليتيم، ورعاية الشيخ، والأرملة والمعوق، أو لشراء السلاح الضروري، للدفاع عن النفس وآخرون يتعرضون للغزو التنصيري، ولا يجدون مدرسة للتعليم، ولا مسجدًا للصلاة، ولا دارًا للرعاية، ولا مستوصفًا للعلاج ولا مركزًا للدعوة ... على حين نجد سبعين في المائة من الحجاج كل عام ممن حجوا قبل ذلك، أي يحجون تطوعًا، ينفقون مئات الملايين طيبة بها أنفسهم!! ولو فقهوا دينهم وعرفوا شيئًا من فقه الأولويات، لقدموا إنقاذ إخوانهم المسلمين على استمتاعهم الروحي بالحج والعمرة، لو تدبروا لعلموا أن الاستمتاع بإنقاذ المسلمين أعمق وأعظم من استمتاع عارض قد يشوبه بعض التظاهر أو الرياء وصاحبه لا يشعر [2] .
من المعلوم أن المصالح تنقسم إلى مصالح ضرورية ومصالح حاجية ومصالح تحسينية، وأن المصالح الضرورية تعتبر أصول المصالح وأهمها، وأن المصالح الحاجية خادمة ومكملة للضرورية، والتحسينية خادمة ومكملة للحاجية، فالكل إذًا حائم حول الضروريات يقويها ويكملها ويحسنها.
وعليه، فإن الضروريات مقدمة على الحاجيات والتحسينات، والحاجيات مقدمة على التحسينيات، لذا يجب أن يكون الاهتمام الأكبر منصبًا على الضروريات والأساسيات، مثل حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والنسب والعرض والمال، والأمن، والاهتمام بالصحة والتعليم، وتوفير الغذاء والمسكن، والحياة الكريمة التي تليق بالإنسان الذي كرمه الله، وتوفير كل ما يحتاج الناس إليه مما يدفع عنهم المشقة والحرج ثم يأتي بعد ذلك الاهتمام بالتحسينيات والكماليات.
فليس مقبولًا أن نهتم بالتحسينيات أكثر من اهتمامنا بالضروريات والحاجيات، كما كنا نراه في مجتمعنا من قبل من إنفاق مبالغ هائلة وأموال طائلة على الرياضة والفن والإعلام، في حين يشكو التعليم والصحة والخدمات الأساسية من
(1) البخارى (كتاب النكاح(باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها أحد) .
(2) فقة الأولويات ص 137.