المبحث الثالث
الموازنة بين المصالح والمفاسد
عرفنا في السمة السابقة أن المصالح والمفاسد ليست كلها على درجة واحدة من الأهمية، فالمصالح منها ما هو ضروري ومنها ما هو حاجي، ومنها التكميلي أو التحسيني، والمفاسد منها الكبير والأكبر، والصغير والأصغر، وهكذا.
والطاعات فيها الركن والفرض والمندوب والمستحب، والمعاصي فيها أكبر الكبائر والكبائر، والمحرمات والصغائر والمكروهات.
والاجتهاد المقاصدي يفرض على المجتهد ألا ينظر إلى الفعل أو القضية من جانب واحد فلا ينظر إلى ما فيها من مصلحة فقط فيحكم بالصحة، أو ينظر إلى ما فيها من مفسدة فقط فيحكم بالبطلان بناء على هذه النظرة القاصرة، فقد يكون مع المصلحة مفسدة أكبر منها، وقد يكون مع المفسدة مصلحة أكبر منها.
وعلى هذا تنبني قاعدة أن"الشرع يحصل الأصلح بتفويت الصالح، كما يدرأ الأفسد بارتكاب الفاسد" [1] .
وهذه القاعدة - كما يقول الدكتور الريسوني [2] - هي لب المسألة وثمرتها، وبيت القصيد فيها. فالتفاضل والتفاوت، وما ينبني عليهما من ترتيب وتقديم وتأخير ورفع وخفض يستلزمان في كثير من الحالات تفويت الذي هو أدنى للحصول أو الإبقاء على الذي هو خير، وتقديم الفاضل على المفضول والتضحية بالخسيس من أجل النفيس، وارتكاب السيء تجنبًا للأسوأ.
فالمطلوب إذن أن يقوم المجتهد بالموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد عند التزاحم أو التعارض ليقدم أعلى المصلحتين، عند تعارض المصالح أو أخف الضررين عند تعارض المضار، وإذا كان الفعل يشتمل على مصلحة ومفسده معًا، يجب أن ينظر إلى الغالب منهما، فإن غلبت المصلحة قدمت، وإن كانت المفسدة هى الغالبة ترك هذا الفعل، وهذا مستمد من قوله تعالى في الخمر:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ..." [البقرة: 219] .
ويقول الإمام الشاطبي في ذلك:"والمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإن كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفًا، ولذلك كان الفعل ذو الجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإذا رجحت المصلحة فمرغوب، ويقال فيه أنه مصلحة. وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروب عنه، ويقال إنه مفسدة على ما جرت به العادات" [3] .
(1) قواعد الأحكام 1/ 63.
(2) الفكر المقاصدى قواعده وفوائده ص 75.
(3) الموافقات 2/ 62.