الصفحة 20 من 35

فالموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقديم أعلى المصلحتين وتفويت أخطر الضررين عند التعارض من أهم الأمور وهو في نظر كثير من العلماء، العلم الحقيقي والفقه الحقيقي، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، أو يميز الخير من الشر، ولكن العاقل والفقيه هو من يعرف خير الخيرين وشر الشرين" [1] .

ويقول أيضًا:"فتفطن لحقيقة الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند المزاحمة. فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر وجنس الدليل وغير الدليل، يتيسر كثيرًا، فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعوا إليه، وتنكر أنكر المنكرين، وترجح أقوى الدليلين، فإنه خاصة العلماء بهذا الدين" [2]

وهذا النوع من جنس القضايا المتشابهة أو المشتبهة، كما في الحديث:

"الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس" [3] فتمييز مراتب المصالح ومراتب المفاسد، ومعرفة الأرجح من المصلحتين، والأرجح من المفسدتين، أو الأرجح بين مصلحة ومفسدة، هذه أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، وإنما تحتاج إلى علماء أكثر علمًا وفقهًا وتحتاج إلى قواعد وموازين علمية

هذا، وأفضل من اهتم بهذا الموضوع وكتب فيه، ووضع له قواعد وموازين، العالم الكبير عز الدين بن عبد السلام، فقد ألف كتابا مستقلًا في هذا الموضوع، وهو كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) ومما قاله في ذلك:"الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني وسائل. وكذلك المكروهات والمحرمات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني وسائل. وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، ثم تترتب الوسائل بترتيب المصالح والمفاسد، فمن وفقه الله للوقوف على ترتيب المصالح، عرف فاضلها من مفضولها، ومقدمها من مؤخرها. وقد يختلف العلماء في بعض رتب المصالح فيختلفون في تقديمها عند تعذر الجمع، وكذلك من وفقه الله لمعرفة رتب المفاسد، فإنه يدرأ أعظمها بأخفضها عند تزاحمهما" [4] .

"فإذًا لا يكفي أن يكون العمل صالحًا لكي يقدم ويشتغل به، بل لا يقدم الصالح إلا إذا لم يكن عندنا وأمامنا ما هو أصلح منه سنفوته. فيجب- إذا تعذر الجمع - تقديم الأصلح على الصالح، والأصلح على الأصلح الذي دونه. وكذلك يدرأ الأفسد فالذي دونه، فالذي يليه. فالوقوع في الأفسد مع إمكانية الانتقال إلى الفاسد، هذا أيضًا من الخلل والزلل الذي لا يقدم عليه إلا جاهل بالمراتب" [5] .

(1) مجموع الفتاوى 2/ 45.

(2) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجيحم 1/ 298.

(3) رواه البخارى (كتاب الإيمان-باب الحلال بين والحرام بين) ، ومسلم (كتاب المساقاة-باب أخذ الحلال وترك الشبهات)

(4) قواعد الأحكام 1/ 73.

(5) محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني ص 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت