الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيبن، وإمام الفقهاء والمجتهدين، وسيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:
فإن للعلماء عند فهم النصوص، وإصدار الأحكام اتجاهات وسمات مختلفة، كل على حسب علمه وأولوياته، فمنهم من يوجه اهتمامه وتركيزه الأكبر على الألفاظ والمباني، وما تتضمنه من دلالات لغوية دون الالتفات إلى المعاني والغايات والمقاصد التي يريدها صاحب النص من وراء كلامه.
ومنهم من يهتم بالمعاني والمقاصد التي يريدها المشرع من كل نص ومن كل حكم، وفى الوقت نفسه لا يهمل الألفاظ، بل يهتم بها، وينظر إليها بعين الاعتبار، ولكن على أساس أنها وسائل لفهم وإدراك غاية المتكلم، لا على أساس أنها غايات في حد ذاتها، يقول ابن القيم رحمه الله:"والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟" [1] .
ونحن الآن في أمس الحاجة إلى هذا الاجتهاد، اجتهاد المقاصد الذي ينظر إلى كل نص، وإلى كل حكم في الشريعة، على أن له مقصدًا نبيلًا، وهو جلب مصلحة أو دفع مضرة، وينظر إلى الدين الإسلامي كله - شريعة وعقيدة - على أن له مقصدًا أساسيًا، ألا وهو تحقيق الرحمة؛ لقوله تعالى:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 108] . واعتبار المقاصد عند الاجتهاد أهم الأسباب لإصابة الحق وتقليل الاختلاف، فقد نقل السيوطي عن الإمام الغزالي رحمه الله أنه قال في كتابه (حقيقة القولين) :"مقاصد الشرع قبلة المجتهدين من توجه إلى جهة منها أصاب الحق" [2] .
وقد جعل الإمام الشاطبي رحمه الله معرفة المقاصد نصف أسباب شروط الاجتهاد فقال:"وإنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:"
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها!؟" [3] ."
هذا، والاجتهاد المقاصدي له أصول يرتكز أو يقوم عليها، وله سمات يتصف بها، وقد تحدثت عن أصوله في بحثي (مراعاة مقاصد الشريعة في المذهب الحنبلي) [4] ، وذكرت أن أصول المقاصد ثلاثة و هي: تعليل الأحكام، والإيمان بأن لكل حكم علة ومقصدًا، والأصل الثاني: مراعاة المصالح، والثالث النظر إلى مآلات الأفعال واعتبارها.
وأما هذا البحث فإنني أحاول فيه - قدر استطاعتي واجتهادي - استنباط وبيان أهم سمات الاجتهاد المقاصدي، حتى نتعرف عليها، ونستفيد منها، ونفهم ديننا حق الفهم، دون إفراط أو تفريط.
(1) إعلام الموقعين 1/ 119.
(2) الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض ص 182.
(3) الموافقات 4/ 105، 106
(4) رسالة دكتوراه، كلية دار العلوم - جامعة القاهرة.