الصفحة 27 من 35

المبحث الخامس

مراعاة أحوال الناس

مراعاة أحوال الناس من حيث مستوى تفكيرهم وعلمهم وإيمانهم وقدراتهم وغناهم وفقرهم، وجميع ظروفهم وأحوالهم مبدأ قرأني ونبوي.

ففي القرأن الكريم نجد أن الله عز وجل لم يحرم الخمر أول الأمر وفي بداية الدعوة، وإنما حرمها بعد أن استقر الإيمان في قلوب أهله وصاروا مهيئين ومستعدين لقبول حكم التحريم وتركها.

وقد عبرت السيدة عائشة (رضي الله عنها) عن ذلك فقالت:"إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد (صلى الله عليه وسلم) وإني لجارية ألعب"بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ" [القمر: 46] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده" [1]

وفي السنة نجد أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ترك هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم عليه السلام مراعاة لحال الناس آنذاك، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لها:"لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم .." [2]

ومن مراعاة أحوال الناس في السنة أيضا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يأتيه السائل فيسأله فيجيبه النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم يأتيه سائل آخر فيسأله نفس السؤل فيجيبه النبي (صلى الله عليه وسلم) بغير ما أجاب السائل الأول، ولا شك أن ذلك كان مراعاة لاختلاف أحوال السائلين واختلاف قدراتهم وإمكانياتهم، فما يناسب زيدا قد لا يناسب عَمرا. ومن الأمثلة على ذلك من السنة:

1 -عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال:"الصلاة على وقتها"قلت: ثم أي؟ قال:"بر الوالدين"قلت: ثم أي؟ قال:"ثم الجهاد في سبيل الله" [3]

2 -وعن معاذ رضي الله عنه قال: سألت رسول الله: أي الأعمال أحب إلى الله وأفضل؟ قال:"أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله" [4]

(1) البخاري (كتاب فضائل القرآن-باب تأليف القرآن)

(2) أخرجه مسلم (كتاب الحج-باب نقض الكعبة وبنائها)

(3) المسند 7/ 103 ط الرسالة

(4) سنن ابن ماجة 3/ 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت