الصفحة 26 من 35

قال ابن قدامة:"ولا يجوز إجارة الفحل للضراب ... وخرج أبو الخطاب وجهًا في جوازه، لأنه انتفاع مباح، والحاجة تدعو إليه، فجاز كإجارة الظئر للرضاع، والبئر يسقى منها الماء، لأنها منفعة تباح بالإعارة، فتستباح بالإجازة، كسائر المنافع" [1] .

والقول بجواز إجارة الفحل للضراب قول معتبر، لأن فيه مراعاة لحاجة الناس لهذه المعاملة، ومصلحة شرعية معتبرة، فإن الفحول المعدة للضراب ينفق عليها أصحابها كثيرًا، واستخدامها للضراب ينقص من قيمتها، مما يجعلها تحتاج إلى مزيد من نفقة، فإذا منعنا أصحابها أخذ الأجر فسوف يمتنعون عن تقديمها للناس، فيقع ضرر، والضرر مرفوع.

أما عن النهي الوارد عنه في الحديث فيمكن حمله على التنزيه أو على الندب والإرشاد، أو على حالة الاشتراط، أو اعتبار أن المقصد منه الترفق والسماحة، كما قيل في النهي عن المزارعة.

3 -إباحة بعض البيوع التى تشتمل على غرر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه"أن النبي (صلى الله عليه وسلم) "نهى عن بيع الحصاة [2] وعن بيع الغرز" [3] "

فهذا نهي من الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن البيوع التى تشتمل على غرر غير أن هناك بيوعًا يتعذر فيها السلامة من الغرر، ولابد فيها من الاشتمال على شيء منه، وذلك مثل بيع الأصول المغيبة في الأرض مثل الفجل والجزر والبطاطس ونحوها، ومثل بيع الثمار التى تتكرر ثمرتها، كالقثاء والبطيخ جملة واحدة إذا بدى صلاح أولها.

وقد أجاز ابن تيمية - وكثير من العلماء - هذه البيوع لحاجة الناس إليها ويقول في ذلك:"ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض أو أكل مال بالباطل، لأن الغرر فيها يسير، والحاجة إليها ماسة، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر. والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم" [4] .

ويقول الشيخ السعدي رحمه الله عن هذه البيوع:

"فهذا مازال أهل نجد يستعملونه والمشايخ يقرونهم على ذلك، وذلك لدعاء الحاجة إليه، وما اشتدت حاجة الناس إليه، وسع فيه الشارع" [5] .

(1) المغنى 8/ 130.

(2) بيع الحصاة هو أن يقول أرم هذه الحصاة، فعلى أى ثوب وقعت فهو لك بدرهم .. المغنى (6/ 298)

(3) أخرجه مسلم (كتاب البيوع - باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذى فيه غرر) وأبو داود (كتاب البيوع - باب بيع العرر)

(4) القواعد النورانية ص 186، وانظر الفروع 4/ 19.

(5) الفتاوى السعدية ص 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت