الصفحة 6 من 35

المبحث الأول

فهم النصوص الجزئية في ضوء النصوص الكلية والقواعد العامة

الاجتهاد المقاصدي ينظر الى نصوص الشريعة وقواعدها وأحكامها على أنها كل مترابط ومتكامل فيفهم النصوص الجزئية ويفسرها في ضوء النصوص والقواعد الكلية فيرد الجزئي إلى الكلي والفرع إلى الأصل، فهو لا يلغي نصا أو يهدر قاعدة أو مصلحة. فمن أراد أن يفقه الشريعة حقا ويعرفها على حقيقتها كما أراد منزلها وكما دعا إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكما فهمها أصحابه وتابيعهم بإحسان، فإن عليه ألا ينظر في نصوصها وأحكامها مجزأة مبعثرة، لا رابط بينها ولا صلة لبعضها ببعض، بل عليه أن يربط بين أجزائها بعضها ببعض، و ينظر في أحكامها نظرة شمولية مستوعبة [1]

مثالان للتوضيح:

عن ابن عمر أن"النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن عسب الفحل" [2] وعن جابرقال:"نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن بيع ضراب الفحل" [3]

وعسب الفحل ضرابه، وبيعه أخذ عوضه، كما جاء في المغني. [4]

فظاهر هذين الحديثين يدل على عدم جواز أخذ العوض على ضراب الفحل، ولكن العمل بذلك يؤدي إلى ضرر، وهو امتناع أصحاب الفحول عن السماح للناس باستخدامها في الضراب؛ لأن الضراب يؤثر على تسمين الفحول ويؤدي إلى نقصان لحمها، مما يجعلها تحتاج إلى مزيد من العلف والتكلفة، وبذلك لا يجد الناس من يقدم لهم فحولا للضراب بالمجان، فيقع عليهم الضرر وتقل الثروة الحيوانية.

وعند النظر في نصوص الشريعة الكلية وقواعدها ومقاصدها العامة سنجد أن الأخذ بهذا العموم يتعارض معها، وعليه فإنه من الممكن حمل النهي في الحديثين السابقين على التنزيه لما في هذه المعاملة من غرر، أو حمله على حالة اشتراط اللقاح، وبذلك يمكن القول بجواز أخذ الأجر على ضراب الفحل، وحمل معاملة الناس التي اعتادوا عليها ولا غنى لهم عنها على الصحة لا البطلان.

ومن النصوص والقواعد العامة التي تتعارض مع عموم هذين الحديثين ما يأتي:

1 -قوله تعالى:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ" [الحج:78]

2 -قوله تعالى:"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة 185)

(1) دراسة في فقه مقاصد الشريعة ص 149

(2) رواه البخاري (كتاب الإجارة-باب عسب الفحل)

(3) رواه مسلم (كتاب المساقاة-باب تحريم بيع فضل الماء)

(4) المغني 6/ 302

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت