الصفحة 31 من 35

يرى الإمام الشاطبي أن العلة من التيسير ورفع الحرج تتلخص في أمرين:

الأول: المداومة على العمل.

الثاني: تحقيق التوازن في أداء الواجبات دون إفراط في بعض وتفريط في بعضٍ آخر [1] .

هذا، وأرى أن هناك علة أخرى من حرص الشارع على التيسير ورفع الحرج، هي رحمة الله تعالى بعباده وتفضله وتكرمه عليهم، وهي تشتمل أيضًا على المقصدين السابقين.

تنقسم المشقة من حيث الاعتبار وعدمه إلى نوعين:

الأول: مشقة غير معتبرة:

وهي المشقة التي يقدر على تحملها المكلَّف أثناء قيامه بالعمل ولا تنفك عنها العبادة، أي أن طبيعة العمل تقتضي وتتطلب مثل هذه المشقة، وتكون هذه المشقة غير خارجة عن المعتاد، بحيث لا يترتب عليها ضرر للمكلفين.

وهذه المشقة مثل مشقة الوضوء والغسل وخاصَّة في البرد، ومشقة إقامة الصَّلاة في الحرِّ والبرد، لاسيما صلاة الفجر، ومشقّة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة الحج والجهاد في سبيل الله، وإقامة الحدود ونحوه، فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها؛ لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات الباقيات ما دامت الأرض والسماوات [2] .

بل إن هذه المشقة لا تسمى في العادة المستمرة مشقة، كما لا يسمّى في العادة مشقةً طلبُ المعاش بالتحرف وسائر الصنائع؛ لأنه ممكن معتاد، لا يقطع ما فيه من الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان ويذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف [3] .

الثاني: مشقّة معتبرة:

وهي المشقة التي تنفك عنها الأعمال غالبًا، حيث تكون هذه المشقة خارجة عن معتاد المشقات في الأعمال العادية، أي خارجة عن طبيعة العمل، وهذه المشقة قد يحصل بها فسادٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ [4] ، ومن ذلك أيضًا أن تكون المشقة الشديدة في حكم اجتهادي، أي أن الدليل الخاص به ليس قويًّا أو صريحًا، فهنا ينبغي أن نأخذ بالأيسر؛ مثال ذلك أن

(1) انظر: الموافقات 2/ 136 و 148؛ ونظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ص 152.

(2) قواعد الأحكام 2/ 7.

(3) الموافقات 2/ 123.

(4) قواعد الأحكام 2/ 7 و 8؛ والموافقات 2/ 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت