فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 33

أن يستريح أو يركن أو يخلد للدعة والراحة إنما عليه العمل والسعي والكسب، وعليه أن يجاهد ويصبر ويجد في عمله، إنه لن ينتصر إلا بهذا الجهد والبذل والشقاء والتعب، إن الله تعالى خلق الإنسان لمهمة بأن يكون خليفة في هذه الأرض، ويعمرها بطاعة الله، وهذه المهمة ليست بالمهمة السهلة إنما تتطلب علما وتعليما، وتحتاج لبذل الجهد في الخير، وصبرا ومثابرة، إن الذي يظن أنه يستطيع أن ينال هذا الخير وهذا الشرف الذي خلق الإنسان من أجله دون كبد أو مشقة لخاطئ، قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ - الإنسان - قطع سرته، ثم إذا قمط قماطًا، وشد رباطًا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولًاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَنًا في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ} فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقًا دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره [1] .

قال تعالى (أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)

إن الكبد الذي خلق ليلازم الإنسان هو في الأصل اختبار الله له حتى يكون صالحًا لأن يدخل جنته، بيد أن الإنسان تفاخر بنفسه وقوته، وبما أنفقه من مال أهلكه على غير الغرض الذي شرعه مولاه لينفق فيه المال، والله تعالى عندما قدَّر للإنسان المقادير وقسَّم له الرزق مكنه من النعم ليستخدمها فيما خلقت من أجله، فهو لم يرزق العينين ولا اللسان ولا الشفتين حتى

(1) تفسير اللباب لمؤلفه ابن عادل الآية 4 من سورة البلد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت