فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 33

الحياة على هذا النحو، فيتحمل الوالد عبء وليده من رعاية وتربية ونفقة وتعليم وذود عنه والدفاع عن مصالحه .... ، كل ذلك العناء حتى يضحى الولد والدًا مثل والده، فإذا لم يقم الوالد بما سلف ذكره من واجب الرعاية والتعليم، فلن يكون والدًا بحق، ولذلك كان الأنبياء بالنسبة لنا مثل الوالد لأجل التعليم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم) [1] ، وهذا الحديث ورد في باب الاستنجاء، وذلك الذي دفع مشرك حاقد على الإسلام والمسلمين أن يقول مستهزئًا: (لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة) [2] ، فعن سلمان قال: قال له بعض المشركين وهم يستهزئون به: إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجَل، أمرنا ألا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم [3] .

إنه لقسم بهذا العناء ولشرف أن يلقى الإنسان مثل هذا التعب والكبد لأجل تلك الغايات السامية غاية الدين الذي تحددت أقطاره المكانية بمكة المكرمة ومن حولها من القرى بما يشمل العالم كله، (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ {الأنعام/92} ، وتحددت أقطاره الزمنية بداية من الوالد - أبو البشرية آدم عليه السلام - ثم ذريته إلى يوم القيامة، (كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ {الشورى/7} ، فهذا الجهد المبذول هو عظيم عند الله، ولذلك استحق أن يقسم الله تعالى به، فهو سبحانه لا يقسم إلا بعظيم.

إذا كان الله تعالى قد أقسم بعظيم فعلى ماذا أقسم؟ إنه سبحانه ليقسم على أن الكبد والعناء الذي لازم الرسل والصالحين، ويلازم كذلك الإنسان من مبتدأ خلقه حتى منتهى أجله، تلك هي سنته سبحانه في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير، فمنذ أن خلق الله عز وجل الإنسان وهو في عناء ومشقة تلازمه حتى يفارق الحياة الدنيا، وطالما أنه في هذه الدار فهو في ابتلاء، فليس عليه

(1) رواه أبو داود ج 1 ص 12 رقم 7 وصححه الألباني: انظر صحيح أبي داود ج 1 ص 30

(2) رواه أبو داود ج 1 ص 11 رقم 6 ومسلم ج 2 ص 76 رقم 385 وصححه الألباني: صحيح أبي داود ج 1 ص 29 رقم 5

(3) رواه ابن ماجة في سننه ج 1 ص 377 رقم 312 ومسلم ج 2 ص 77 رقم 386 وصححه الألباني: صحيح ابن ماجة ج 1 ص 57 رقم 255

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت