فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 33

وصرامة وخشونة في الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة، واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي، هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟ على وجهين: أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالما من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه، والوجه الثاني: ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد للكافة، وفيما اختلف فيه، فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها) [1] .

العينان هما من أظهر نعم الله تعالى على الإنسان، وبهما يقدر على تصوير الأمور المشاهدة في عقله بصورة أقرب إلى حقيقتها ما لم تكن زورًا ولا أكبر من أن يراها بعينيه، وبدونهما لا يعرف الفرق بين من يصدقه ومن يكذب عليه، اللهم إلا إذا أعطاه الله بصيرة تعوضه عن فقد بصره، لكنه في كل الأحوال لا يقدر على تمييز الصور والأحداث، فيعيش وحده بين عالم ممتلئ بالكذابين والمخداعين والمنافقين، فيحتاج الأعمى إلى من يرشده الطريق ويجنبه عثراته ويدرء عنه السوء والأذى من حوله، ولا شك أن هذا أمر مرهق أن يجد في كل مرة من يرشده خطواته، ويقرأ له كتبه، ويبصره حقيقة ما يسمعه .... وهكذا، ولذلك رُفع عنه التكليف جزئيا فقال سبحانه (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) [2] ، فرفع عنه الحرج في مقام دخول البيوت والأكل منها، ورفع عنه الحرج في مقام الجهاد في سبيل الله تعالى، وهكذا، والله تعالى يريد من الأعمى أن يصبر على هذا البلاء ويحتسب أمره لله، ويبصر نعم الله تعالى التي منحه إياه لعله بها يكون مثل من فقدوا أبصارهم لكن نفعوا المسلمين والبشرية بعلمهم وصوتهم وكلمتهم، كعبد الله بن أم مكتوم، وأمثال الشيخ كشك نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (يقول الله عز وجل من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة) [3] .

(1) الماوردي ج 1 ص 488.

(2) {النور/61} ـ {الفتح/17}

(3) رواه الترمذي ج 8 ص 421 رقم 2325 وصححه الألباني: صحيح وضعيف الترمذي ج 5 ص 401 رقم 2401، الجامع الصغيرج 1 ص 1410 رقم 14100

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت