فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 33

والله تعالى يريد أن يختبر الإنسان في هذه النعمة العظيمة، فجعل الإنسان مكلف بغض البصر عن المحرمات، فلا ينظر للنساء غير ما أحل الله له، يقول سبحانه (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمؤمنًاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا {النور/30 - 31} ، بيد أن تنفيذ هذا الأمر يحتاج إلى تقوى، ومعصية الله تعالى في هذا الأمر سماها القرآن خيانة، فقال سبحانه (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ {غافر/19} ، والمسلم مضطر إلى مكابدة غض البصر حتى يستشعر حلاوته، فالنظرة سهم من سهام إبليس من تركها خوفا من الله آتاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه، فعن ابن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي(يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) [1] ، ومكابدة غض البصر لا تسير على وتيرة واحدة، وبالكاد ينجح المسلم في ذلك حتى يصبح هذا الأمر عنده ديدنا، وعادة مألوفة، وإلى أن يبلغ هذا المبلغ فعليه إدراك أنه مدفوع إلى ذلك لا محالة، بيد أنه قادر على مجاهدة نفسه في ذلك، فعن النبي صلى الله عليه وسلم (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه) [2] ، وعليه كان الذي يتبع السيئة الحسنة يحظى بمحوها، فإذا فعل ذلك انقلب حاله من الجاحد بنعمة العين إلى الشاكر ربه على هذه النعمة.

وشكر الله تعالى على نعمة العينين يكون باستعمالهما فيما يريد الله تعالى ويرضاه، وذلك بالنظر في كونه سبحانه وسمائه والتفكر في آلائه والتأمل في بديع خلقه، والنظر في كتاب ربه، وقراءة ما سُطر فيه، والوقوف على رأس كل آي فيه، ثم النظر إلى والديه بعين الاحترام والرحمة، ثم النظر في زوجته ليتأمل نعمة ربه عليه أن حظي بها بميثاق غليظ، ثم النظر في أولاده بعين الإشفاق والرعاية والحنان، إلى آخر ذلك من معاني الشكر الله تعالى في نعمته على هاتين الجوهرتين.

(1) رواه أبو داود ج 6 ص 54 رقم 1837 وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 1392 رقم 13913

(2) رواه مسلم ج 13 ص 125 رقم 4802

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت