عليك هذا قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به قال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) [1] .
ومن اللطيف أن يعلم المرء الفرق بين آلة النظر وآلة الكلام، فآلة النظر العينين وهما يلتقطان كل صورة في حيز النظر سواء بقصد أو بدون قصد، فإذا أردت أن تصرف بصرك عن شيء فلا تغمض العينين، وإنما تحرك رأسك ليكون حيز بصرك خاليا مما تريد أن تصرف بصرك عنه، أما آلة الكلام فهما اللسان والشفتين، فلا يكفي أن يحرك المرء لسانه دون شفتيه ولا شفتيه دون لسان، وإن كان أغلب مخارج الحروف من اللسان، والشفتين يخرج منهما (الباء والميم والواو والفاء) ، بيد أنه يعتمد علي الشفتين في تمييز صفات الحروف التي بحاجة إلى همس وجهر وإطباق وإزلاق .. إلخ، ومن ثم يحتاج الإنسان لجهد كبير مقصود ومتعمد لإخراج الكلمة من فيهِ وتتحرك بها شفتيه، فإذا خرجت فلن ترجع إلى فيهِ مرة أخرى.
ونظير ذلك قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا {الإنسان/3} ، فهو سبحانه أوجب على نفسه هداية الإنسان لأن يختار، فعرفه طريق الشكر وطريق الكفر، ولو شاء الله لعرف الإنسان طريقا واحدا فيهتدي به، وقال سبحانه (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ {الأنعام/107} قال الطبري: (أخبر - تعالى ذكره - أنه لو شاء الهداية لجميع من كفر به حتى يجتمعوا على الهدى فعل، ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم كانوا مهتدين لا ضلالا، وهم لو كانوا مهتدين كان - لا شك أن كونهم مهتدين كان - خيرًا لهم، وفي تركه - تعالى ذكره - أن يجمعهم على الهدى ترك منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خير لهم فيه، مما هو قادر على فعله بهم، وقد ترك فعله بهم، وفي تركه فعل ذلك بهم أوضح الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية، ويتسببون بها إلى
(1) رواه النسائي في سننه الكبرى ج 6 ص 428 رقم 11934 ورواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه الألباني وقال صحيح بمجموع طرقه: السلسلة الصحيحة ج 3 ص 114 رقم 1122