وأبواب الخير في الإسلام كثيرة، وقد عددت السورة منها (فَكُّ رَقَبَةٍ) الأسير و (إِطْعَامٌ) الطعام (فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) حيث يقل الطعام مع الناس فيزيد الشح بينهم، والإحسان للضعفاء، وفي مقدمتهم إطعام (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ) حيث الأقربون أولى بالمعروف فيما بينهم، وإحسانا وإطعاما (مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) لا يد له لتعمل، ولا طاقة له، ولا مأوى أو مسكن غير التراب، وليس ذلك هو المقصود على سبيل الحصر، وإنما قصد ذلك على سبيل المثال، فعدي بن حاتم رضي الله عنه يقول: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة - أي الفقر - والآخر يشكو قطع السبيل - أي قطاع الطرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه، ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له ألم أوتك مالا؟ فليقولن بلى، ثم ليقولن ألم أرسل إليك رسولًا؟ فليقولن بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة) [1] .
وقد دلت السورة على أن العمل الصالح والذي يتمثل أعظمه قربة لله تعالى في تحرير الناس من ذل العبودية والرق، وإطعام الناس عند الشدة والمجاعات، والعطف على اليتامى والمساكين الذي انقطع عنهم كل ناصر من قريب إلا من ذي رحم أو أخ في الإنسانية، تلك هي من أعظم القربات عند الله تعالى.
إن إهلاك المال في غير سبيل الله تعالى هو أكبر عقبة تعتري طريق الإنسان نحو ربه، وفراغ حياته من رسالة دعوية يؤديها، وسكوت ضميره عن حوائج الناس وحاجتهم، وعدم سعيه وراء الأرملة والمسكين، فإذا كانت الدنيا بحاجة لتعمير، فلنعمرها بأعمال الخير أولًا، ولو أراد الصحابة رضوان الله عليهم تعمير دنياهم بالزراعة والصناعة والتجارة لفعلوا، ولشيدوا حضارة مادية يضرب بها المثال إلى يومنا هذا، ولكنهم فقهوا المسألة فبنوا حضارة روحية فكرية خلقية اجتماعية تقوم على عقيدة التوحيد الراسخة في قلوبهم قبل أن يقيموا أي حضارة مادية أو نهضة اقتصادية، فعن أبي أيوب الأنصاري قال يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما
(1) رواه البخاري ج 2 ص 512 رقم 1347