فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 33

قال سبحانه: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)

أقسم الله تعالى في أول هذه السورة بالبلد الحرام، تلك البلد التي شهدت على عناء الدعاة وصبرهم ونصرة الله لهم بعد ما لاقوه من عناء وتعب، فها هي مكة المكرمة تلك البلد التي حظيت بدعوة نبي الله إبراهيم، لا شك أنه لاقى من العناء والتعب ما أثقله حين جاهد قومه ونهاهم عن عبادة الأصنام، فحرَّقوه ونفوه خارج بلده ووطنه، حتى نصره الله تعالى فأبدله أهلًا خيرًا من أهله، ودارًا خيرًا من داره، وبلدًا خيرًا من بلده، فكانت مكة هذه البلد التي أضحت موطنًا له وموطنًا آمنًا للمؤمنين، يلوذ بها كل مؤمن يريد أن يحافظ على دينه؛ (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ {إبراهيم 35/ 37} ، وسوف تظل هذه البلد كذلك إلى يوم القيامة بلد يستعصي على الكفار أن يدخلوها غازين، إلا أن يهلكهم الله تعالى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم) ، قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: (يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم) [1] .

ثم كانت مكة - هذه البلد - في يوم من الأيام قبل نصرة الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بلدًا تعبد فيها الأوثان وما سوى الله تعالى، فلما أرسل الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لاقى - هو الآخر - من التعب والمشقة ما لم يلقاه أحد، فقد كان يقيم فيها بين أهله وعشيرته وكأنه غريب، مضطهد، مطارد، مراقب ومتابع، مطلوب قتله، ومرصود جائزة قيمة لمن يقتله، وظل على ذلك سنوات في كَبَد ومشقة، حتى استطاع أن يبلغ دعوته لقومه،

(1) رواه البخاري ج 2 ص 746 رقم 2012

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت