ولا يسحر الناس بكلامه بدون لسان وشفتين، فإن أصابه مكروه في أحد حواسه أو أعضائه، فلن ينفعه شيء مما ملك من قوة أو مال أو سلطان.
وهنا تقف السورة وقفة - بالرغم من مكيتها - مع هذا الإنسان لتحاسبه على ما هو فيه، فإلى أي طريق يريد أن يسلك؟ وتخص بالحساب أولئك الذين ملكوا مقاليد الأمور من حرية وعزة وكرامة، ومال وطعام، وعشرة وأهل وعشيرة، ومسكن طيب .. إلخ، ألا يقتحموا عقبة الطريق إلى الله تعالى، ألا يحملون رسالة الكرامة التي حظوا بها، فيعتقوا رقاب الأسرى والضعفاء من أهل بلدتهم ومن عقدوا معهم عقود ذمة؟ ألا يعطفون على هؤلاء المساكين فيرق لهم دمع؟ ألا يهتمون بتربية هذا الجيل الناشيء ولو كان يتيمًا؟ ألا يقيمون مؤسسات إيواء وإغاثة للمحتاجين؟
إن الدولة التي يتشدقون بها لا بد وأن تقوم على هذه المصالح العامة والضرورية، وإلا لما كان للدولة معنى، ولما كان للتنظيم السياسي من جدوى!
فلتكن هذه الأمور هي أولى أوليات الدولة المسلمة، وحتى تضطلع بذلك فعليها بأن تحزب المؤمنين أحزابًا؛ بحيث يتحزبون على التقوى بالصبر على الشدائد، ويتحزبون لعمل الخير، فيكون عملهم جمعيًّا، ويكونون قوة مؤسسية قادرة على مجابهة أي ظالم أو معتدٍ، يريد أن يهدم مؤسساتهم الدعوية أو أعمالهم الخيرية؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم (يد الله مع الجماعة) [1] ، فإذا تحزبوا فليكونوا حزب اليمين، ولا بد وأن يعلموا أنهم سوف يقابلهم حزب الشمال، وهؤلاء ليسوا مثلهم، وإنما يريدون أن يهدون كل زهرة أنبتوها، وكل بذرة بذروها، هؤلاء هم أصحاب المشأمة عليهم نار من الله تعالى مؤصدة، فهي سورة مكية لكنها رسمت نظرية الدولة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة بما يتناسب مع الجو المكي الذي عاشه الصحابة آنذاك.
(1) رواه ابن حبان في صحيحه ج 10 ص 438 رقم 4577 وصححه الألباني: صحيح وضعيف الجامع الصغير ج 13 ص 306 رقم 5934