ضمان حقوق الإنسان من الإيمان
(دراسة في سورة البلد)
البلد هي التنظيم السياسي الذي يجمع طائفة من البشر تحت قيادة سياسية ترعى شؤونها، وتعمل على مصالحها، وهو ما نسميه بالمفهوم السياسي المعاصر بالدولة، وأركانها في العلوم السياسية أربعة:
أولًا: الأرض، وهي البقعة الجغرافية التي تقطن فيها هذه الطائفة البشرية، وتستطيع أن تمد سلطانها لها، وإن لم تقطنها - كالمياه الإقليمية - وفي المفهوم الإسلامي تكون مكة المكرمة هي مركز البقعة الإسلامية التي تمتد إلى أن يشاء الله من بقاع حولها؛ يقول سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ {الشورى/7} .
ثانيًا: الشعب، وهم مجموعة من الناس يجمعهم صفات مشتركة في الغالب؛ كالدين أو الجنس، أو اللون أو اللغة، وكلما زادت الروابط بينهم، قوِي المجتمع اجتماعيًّا، لكن اختلاف أفراد المجتمع وتنوُّع صفاتهم من سلاسة - (قوقازية، أو ماغولية، أو زنجية .. إلخ) - أو لون - (أبيض وأسود وأسمر، وأصفر وأحمر .. ) - واختلاف أديانهم - (مسلم، نصراني، يهودي، بوذي ... ) - أو لغتهم - (العربية، العبرية، الإنجليزية، الصينية ... ) - كل ذلك قد يسمح بالتعايش فيما بينهم إذا قويت روابط أخرى؛ مثل: (التكتلات الرأسمالية) ، أو (الثقافة الواحدة) ، أو (التاريخ المشترك) .
بيد أن الأمة الإسلامية تميزت عن سائر الأمم بأقوى آصرة تربط بين أبنائها، رغم أنهم يقطنون في بقاع مختلفة، ويتحدثون بلغات شتَّى، وألوانهم مختلفة وثقافاتهم متنوعة، ألا وهي رابطة التوحيد؛ يقول سبحانه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ {الأنبياء/92} ، وقال سبحانه: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ {المؤمنون/52} .
بيد أن أكبر مشكلة تُؤرِّق الدولة الحديثة هي الحفاظ على شعبها، وبمعنى آخر الحفاظ على هُويتها وتراثها الحضاري والثقافي، وذلك بالنظر إلى الأجيال المستقبلة، وهو ما يعني في المفهوم الإسلامي توريث هذا الدين؛ لذا كانت عناية الإسلام بالأسرة المسلمة من والد وولد من أهم