فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 33

الإيمان [1] ، لكنه سبحانه إذا فعل ذلك فلن يجعل الإنسان ليختار، وإنما جعله يختار حتى يكون ممن خلق من يعبد الله تعالى عن طواعية واختيار لا عن كره واجبار، يقول صاحب الظلال: (إن الله قادر لو شاء على أن يخلق بني آدم ابتداء بطبيعة لا تعرف إلا الهدى، أو يقهرهم على الهدى. أو يقذف بالهدى في قلوبهم فيهتدوا بلا قهر ... ولكنه - سبحانه - شاء غير هذا! شاء أن يبتلي بني آدم بالقدرة على الاتجاه إلى الهدى أو الضلال، ليعين من يتجه منهم إلى الهدى على الهدى، وليمد من يتجه منهم إلى الضلال في غيه وفي عمايته، وجرت سنته بما شاء) .

وفي هداية الله تعالى للإنسان النجدين الحجة البالغة، ففي قوله تعالى (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) دليل على أنه بما أوجبه على نفسه بأن هدى الناس للنجدين فقد أقام الحجة على خلقه، فليس لهم بعد ذلك أن يحتجوا عليه بأنه لو شاء لهداهم وحسب، ولم يخيرهم بين النجدين، إما شاكرا وإما كفورا، قال سبحانه (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ {الأنعام/35} ، وقال سبحانه (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أولادهمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ {الأنعام/137} ، فليس من حق العباد أن يحتجوا بذلك، بل إنه سبحانه وتعالى يحجهم بالحجة البالغة أن هداهم للنجدين، ولهم أن يختاروا إما أن يكونوا شاكرين أو كافرين، ففي ذلك إطلاق لقدرة الله تعالى أن يخلق من خلقه من يعبده اختيارا كما خلق من خلقه من يعبده غير مختار أن يعصيه، (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ {الرعد/15} ، مثل الملائكة (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {التحريم/6} ، فإذا لم يكن من خلقه سبحانه من يعبده مختارا طائعا فيكون بذلك غير كامل القدرة، ولكنه سبحانه أظهر قدرته الكاملة بخلق الإنسان مثبتا على أنه مستحق للعبادة من هذا الوجه، وشرَّف الإنسان بهذا الفضل، حينما يُخيِّره بين الشكر والكفر فيختار الشكر، وإن لم يكن شكره بكاف، لكنه سبحانه يجبر التقصير بفضله ورحمته وعفوه.

فكان هذا هو هدي الله تعالى للإنسان بأن يجعله أهلا للتكليف بأمرين، الأول: أن يخلق له من المؤهلات ما يجعله قادرا على تنفيذ ما أمر به كالعينين واللسان والشفتين، والثاني أن يبلغ له

(1) تفسير الطبري: ص 341

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت