قبلت، فقال: هو لك، فأعطاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه [1] ، قال ابن إسحاق: عن عامر بن عبدالله بن الزبير، عن بعض أهله، قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: يا بني، إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالًا جُلْدًا يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبت، إني إنما أريد ما أريد، لله عز وجل [2] .
والمسلم حين يحمل هذه الرسالة لا يفرق بين مسلم ومن كان على غير ملة الإسلام، فالمسلمون وغيرهم من أهل الكتاب وغيرهم لهم الحق في أن يعيشوا بحرية وكرامة، ولذلك ورد لفظ (رقبة) نكرة في الآية لإفادة العموم والشمول، فلا يختص الأمر برقبة مسلمة أو غير مسلمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (فكوا العاني يعني الأسير وأطعموا الجائع وعودوا المريض) ، قال الحافظ ابن حَجَر: (قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور، وقال إسحاق بن راهويه: من بيت المال، وروي عن مالك أيضًا [3] ،وقوله(فكوا) أي خلِّصوا، و (العاني) أي أعتقوا الأسير من أيدي العدو بمال أو غيره كالرقيق قال ابن الأثير: العاني الأسير وكل من ذّل واستكان وخضع فقد عنا [4] ، وهو الأمر الذي فهمه الإمام ابن تيمية فقال (قد عرف النصارى كلهم أنى لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلوشاه وخاطبت مولاى فيهم فسمح بإطلاق المسلمين قال لى لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يطلقون فقلت له بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا فإنا
(1) وأعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم عامر بن فهيرة، شهد بدرًا وأُحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا؛ وأم عُبيس وزِنِّيرة، وأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى؛ فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان، فرد الله بصرها، وأعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبدالدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: حل يا أم فلان؛ فقالت: حل، أنت أفسدتهما فأعتقهما؛ قال: فبكم هما؟ قال: بكذا وكذا؛ قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها، قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما، ومر بجارية بني مؤمل، حي من بني كعب، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك وهو يضربها، حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة؛ فتقول: كذلك فعل الله بك. فابتاعها أبو بكر، فأعتقها.
(2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 319
(3) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 6 ص 167
(4) الإمام المناوي - فيض القدير