فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 33

[1] ، واقتحام العقبة بهذا العمل يكون من وجه أنه لا يعود بشيء على متولي تربيته ونفقته، فيكون ذلك أدعى للإخلاص لله تعالى، حيث يجتهد في رعايته والرأفة به والحنان عليه، وقد يحتاج للقسوة عليه أحيانًا حتى يشتد ويكون أكثر جَلَدًا، وقد يوبخه ويؤنبه حالما يخطئ حتى ينتبه؛ كما في قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ {النساء/6} ، فهو لا يقصر معه في شيء مثلما يفعل مع أبنائه وأولاده، كما أن متولي كفالته لو كان امرأة فإنها تقوم على رضاعته لو كان صغيرًا لم يبلغ الفطام، والقيام على شئونه حتى يكبر، كل ذلك ولا يزال نسبه لأبيه حيث أبطل الإسلام التبني حتى لو لم يُعلم له أب، يقول سبحانه (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا {الأحزاب/5} .

وهكذا يكون المجتمع المسلم لبنة واحدة، إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، والإسلام سبق المجتمعات المتمدينة في ذلك، إلا أنها سبقت المسلمين فقامت برعاية كل طفل يولد على أرضهم لم يعلم له أب، فيعلمونه ويؤدبونه وينفقوه عليه حتى إذا شب أضحى إضافة جديدة لمجتمعهم، فيدين بدينهم، ويساهم معهم في تحمل أعباء التجنيد، ويشارك معهم فيما يطلبونه منه من أمور اجتماعية واقتصادية بحسب التعليم الذي تلقاه على أيديهم، كل ذلك وهو يدين بالفضل والولاء لمجتمعه الذي رباه بالرغم من أنه لم يقدر أن يتفاخر أمامه بنسبه لأهله وعشيرته، إلا أنه يستطيع أن يتباهى أمام العالم بأنه ينتسب برعويته - أو جنسيته - لتلك الأمة التي طبقت حكم الإسلام في اليتامى بالرغم من أنها لا تدين بدين الإسلام، وإنما رأت في هذا الحكم مصلحتها فطبقته على نفسها من هذا الوجه.

(1) {الأنعام/152} ، {الإسراء/34}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت