عن المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم
لي حكاية مع هذا المعجم اللغوي أود أن أرويها باختصار. في عام 1980 للميلاد، وتحديدًا في شهر يونيو قررت قراءة القرآن الكريم كله لا لحصد الحسنات؛ بل كانت هذه المرة للدراسة والتفكر فيه. كنت أريد أن أخرج بعدها بقرار يحدد صلة هذا الكتاب المكنون بالله سبحانه وتعالى. كنت ساعتها في سنواتي الأولى للهجرة، وكنت لأول مرة أعيش بين من يسميهم القرآن الكريم"أهل الكتاب"، وهم الذين كانوا - ومازالوا- التشكيك في القرآن ونسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم ديدنهم. أتممت قراءة القرآن الكريم كاملا لأول مرة، فإذا بإحساس يتولد داخلي يقول إن القرآن الكريم يتحدث بلغة خاصة، لغة نصفها بأنها السهل الممتنع. والسهل الممتنع من الكلام هو ما تفهم ظاهر نصه بسهولة ويسر، لكنك لا تستطيع الإحاطة بكل مكنونه. وهو الذي لو أردت إعادة بلورة معانيه فلا تستطيع، ويبقى في داخلك إحساس بأن هناك بعدا دلاليا آخر تتمنى أن تدركه. أعدت القراءة مرة ومرات فازداد ذلك الشعور، وعندها تولدت عندي عقيدة بأن هذا الكتاب الكريم، بالرغم من أنه بلسان البشر، إلا أننا لا يمكن نسبة علوم محتواه إلى البشر، إن قائله عليم بكل شيء، عليُّ حكيم. وتولد عندي عقيدة مفادها إن هذا الكتاب كتاب علوم، ليست هي ما يسمونه علوم الدين؛ بل إنها علوم الحياة الدنيا. كل العلوم التي يحتاجها بنو آدم ليحيوا حياة طيبة في الحياة الدنيا، وتكون حياتهم الآخرة، بعد الموت ثم البعث؛ حياة أبدية خالدة هنيئة. وصدق العزيز الحكيم عندما عَلّم محمد صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بقراءة القرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه فقال عز من قائل"وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا".
نظرا لخلفيتي في العلوم التي يسمونها العلوم الطبيعية، ويفرقون بينها وبين ما أسموه العلوم الإنسانية أو الأدبية؛ لمست الحاجة الملحة لمعرفة معاني ودلالات ألفاظ هذا الكتاب المجيد؛ وكان عليّ أن أبدأ رحلة عسيرة في البحث عن الأفضل والأعمق من كتب التفسير. نعم؛ ساعدتني هذه الكتب - من الطبري وما بعده؛ في فهم الكثير. ولكن بقي الكثير من الدلالات التي كنت أحس بها ولا أدركها من أقوالهم، وخاصة تعبيرات القرآن العلمية. عند ذلك بدأت في البحث عن كتب في مفردات لسان القرآن حتى أستطيع بلورة الدلالة العلمية بنفسي. وانتهت الرحلة الطويلة الشاقة بكثير من الكتب الورقية منها على سبيل المثال: القاموس المحيط للفيروز أبادي، أساس البلاغة للزمخشري، مختار الصحاح للرازي، المعجم الوجيز لمجمع اللغة العربية في القاهرة، مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهاني، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي، وغيرهم كثير. انتهيت من رحلتي المضنية هذه بنتيجة مفادها إن أفضل ما كتب في هذا المجال هو مفردات القرآن الكريم للعلامة الراغب الأصفهاني، وبدأت في الاعتماد عليه كأفضل المتاح، وباقي الكتب كعامل مساعد يعينني على بلورة المعنى الذي أريده. وتعلمت من هذا الكتاب، وغيره