بها كل ما أريده من معلومات للاتصال به. وفي أول رحلة لمصر تم التواصل، وجاءت المفاجئة الكبرى. لقد أخبرني الدكتور الكريم عبد الكريم أن والدة وأستاذه الكريم قد ألف معجما جمع فيه أصول (أو جذور) الألفاظ الكريمة للقرآن الكريم، وأنه اتبع أسلوبا جديدا في تفسير الألفاظ الكريمة، وما هي إلا أيام معدودة فصلتني عن الكتاب. تصفحت الكتاب، ومرة أخرى استعصى عليّ فهم الكثير. ترتيب الجذور مختلف عما تعودت عليه، مصطلحات جديدة لم أفهمها جيدا:"معنى محوري"،"فصل معجمي"، حروف (أو أصوات) لها دلالة، دلالة صوتية للفصل المعجمي، والتكييف والاشتقاق وغيرها.
وكباحث كيميائي وجدت أن أفضل طرق التأكد فحص نتائج التجارب المعملية مع الواقع، ولكن كيف يطبق هذا الكلام على شرح المفردات؟ بالطبع كانت خير وسيلة للتأكد هي مراجعة معاني الألفاظ القرآنية التي شرحها الكاتب الكريم على ما عندي من كتب سابقة ومعاجم مشهود لها كلسان العرب والقاموس المحيط والمفردات وغيرهم، فوجدت إن أسلوبه في التفسير يوصل إلى دلالات صحيحة ودقيقة للألفاظ القرآنية. هذه الدلالات تتفق - في كثير منها - مع من سبقه من المفسرين، وتتفق تماما مع أصل الاستعمال العربي للجذر ومشتقاته. وكان ميزاني لتقييم دقتها عرضها على السياق القرآني.
ووقعت مفاجأة أخرى، لقد وجدت إن ما كتبه مؤلف المعجم في كلا من المعنى المحوري للجذر الثنائي - الذي أسماه الفصل المعجمي، والمعنى المحوري للجذر الثلاثي يتفقا تمام الاتفاق مع الدلالة العلمية التي كنت قد فهمتها من دراسة النظرية العلمية في ذلك المجال. وحتى أطمئن إلى صحة ما توصلت إليه؛ انتقلت سريعا إلى كلمات معضلة أجهدت المفسرين، ولكن كانت لها نظريات علمية وصلت إلى درجة الحقيقة العلمية. على سبيل المثال: ما هو دحو الأرض وما هو طحوها؟ ما هو طمس النجوم وما الفرق بينه وبين انكدارها؟ ماذا يراد بالعلق الذي خلق منه الإنسان، ما هو؟ الضحى ما المقصود بالضحى الذي يقسم به العزيز الحكيم؟ الخ .. ؛ فإذا بي أجد شرح المعجم لها في استعمالاتها العربية شرحا يكاد يطابق ما يقوله العلم الحديث. وكأن العالم الجليل، واضع المعجم محمد حسن حسن جبل؛ ليس عالما في اللغة أو في التفسير فحسب، بل عالم في الفلك والفيزياء وعلوم الحياة وعلم النفس والاجتماع والفلسفة والتاريخ، إلى آخره. و انتهيت إلى قناعة مفادها إن هذا الكتاب يفوق بكثير كل ما سبقه من كتب في تفسير القرآن.