النظريات العلمية الواردة في القرآن إلا بعد شرح العلماء لها؟ الإجابة في الحقيقة في غاية البساطة ولكنها صعبة الفهم على من لم يخض تجربة الموائمة بين أسلوب القرآن في تقديم الحقائق العلمية وأسلوب الباحثين في كل فروع العلم. القرآن يقدم لنا المعلومة العلمية في أسلوب مبسط يلبس ثيابا غير شفافة، ويحتاج إلى تدبر وفكر وعلم مسبق، من يستطيع أن يفهم - مثلا - حقيقة أن قطع السحاب في السماء تسيرها الرياح فتلقح بعضها بعضا؟ والتلقيح هنا يعني اتحاد الشحنة السالبة المتولدة في بعض قطع السحاب مع الشحنة الموجبة في بعضها الآخر، فهل ما اكتشفناه بعد نزول القرآن يشابه قوله عز وجل"وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ" {الحجر: (22) } . إن الموائمة بين ما يقوله العلماء وما يقوله القرآن تحتاج إلى عنصرين مهمين:
الأول المعرفة الدقيقة للنظرية العلمية، و
الثاني تحرير دلالة اللفظة القرآنية من تفسير من سبقونا، حتى لا يسيطر ويوجه طريقة تفكيرنا في التعرف على الدلالة القرآنية المحكمة.
إذن؛ فإن ما فعله عالِمُنا الجليل الدكتور محمد حسن حسن جبل رحمه الله تعالى (توفي في مارس 2015 م) يعتبر من الأعمال العظيمة التي تساعد على كشف أسرار القرآن الكريم العلمية.
لم يقم هذا المعجم بشرح القرآن فحسب، بل كشف وأثبت بالدليل العملي بعض خواص لغتنا العربية المتفردة. المعجم يثبت بأسلوب علمي مقبول وجود علاقة بين (الصوت والدلالة) . هذا يعني إن أصوات الحروف العربية ليست عشوائية، أو أنها مجرد أصوات توافق عليها أصحاب اللسان العربي في بدايات نشأة اللغة. وكذلك فإن التعرف على أساليب الاشتقاق الدلالي للمفردات القرآنية التي لها دلالة علمية سوف يساعدنا على تحسين فهمنا لكل من النظرية العلمية واللفظة القرآنية، فكثيرا ما يحمل اللفظ القرآني دلالة جديدة تتجاوز معارف الأجيال السابقة، وهذا الكلام موجه بالدرجة الأولى للباحثين في مختلف العلوم الطبيعية. ولذا فإني أدعو المتخصصين في اللغة أن ينكبوا على دراسة هذا المنهج وتوثيقه بأسلوب لا يدع مجالا لشك؛ حتى يصبح منهجا راسخا نعلمه لطلبة تفسير القرآن في المعاهد الجامعية المختلفة. وعندي فإن الدكتور جبل قد قدم من الأدلة العلمية العملية الكافية وبرهن على صحة هذا الأسلوب، فقد قدم عمليا تحليلا دلاليا للجذور العربية التي استخدمها القرآن الكريم. ولذا نستطيع القول إن هذا المنهج الذي اعتمده ابن فارس ومن بعده الدكتور جبل أفضل منهاج لمعرفة الدلالة العلمية واللغوية. ونكرر لقد استطاع الدكتور جبل أن يستخرج، بأسلوب مقبول علميا؛ دلالات الحروف من الاستعمالات العربية، وبين وجود الارتباط الاشتقاقي والبنائي بين مختلف أعضاء أسرة الفصل المعجمي، في لسان القرآن الكريم. ونقتبس من المعجم قول الشيخ الكريم:"إن تبين صحة فكرتي: المعنى المحوري، و الفصل المعجمي، وتحققهما باطِّراد في آلاف التراكيب ومئات الفصول المعجمية؛ لا يفسر إلا بوجود ارتباط علمي يقيني بين الألفاظ ومعانيها بصورة مجملة، ثم بين مكونات الألفاظ ومعانيها بصورة مفصَّلة. ومكونات الألفاظ هي الحروف الألف بائية"اهـ.