اكتشفت سريعا إن فكرة المعنى المحوري هي التي كنت أبحث عنها، ولا أجد نفسي قادرا على التعبير لطلبها طوال هذه السنوات التي امتدت إلى عقود. وعندما اطلعت على المعجم وجدت إن فكرة المعنى المحوري لم تكن هي الفكرة الجديدة الوحيدة التي جاء بها المعجم، فقد جاء بفكرة أخرى، تبين لي لاحقا، أنها ذات أهمية قصوى؛ لو كانت معرفة الدلالة العلمية لألفاظ القرآن الكريم هي المرجوة. إنها فكرة - أو ظاهرة - ما أسماه العالم الجليل بـ"الفصل المعجمي"، وخلاصتها، كما يقول الشيخ؛"أن كل التراكيب المُبتدأه بحرفين بعينيهما وترتيبهما يكون في معنى كل منها قدر مشترك مع معاني سائرها. مثلا تراكيب (بتت، بتر، بتع، بتك، بتل) فيها كلها معنى القطع، وقد ثبتت هذه الخصيصة بنحو 350 فصلا معجميا، فهي خصيصة مطردة في اللغة العربية لا تجحد"أهـ.
تأملت في المعاني المحورية للفصول المعجمية لألفاظ تحتوي على دلالات علمية، فإذا بي أجدها تتحدث عن أسلوب إيجاد (= خلق وابداع) ذلك الشيء، أو تصف الخصائص العلمية المكتشفة حديثا جدا لذلك الشيء. لقد كنت دائما أحس بأني في حاجة ملحة لتجريد دلالة المفردة القرآنية الكريمة وذلك لإيماني المطلق في إن القرآن الكريم قد تجاوز معرفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفة كل ذلك الجيل المبارك الذي صاحب الرسول الكريم، بل تجاوز معارف البشرية قديمها وحديثها؛ فعندما تتحرر دلالات ألفاظ القرآن الكريم ستظل متجددة، تعطي كل جيل المزيد والمزيد من دلالات علمية إضافية؛ فالقرآن يتكلم عن الماضي والحاضر والمستقبل. وذلك طبيعي جدا لأن القرآن هو الرسالة النهائية الخاتمة من رب العالمين لبشر خلقهم بيده. ولكونه الرسالة الخاتمة كان لزاما أن يحتوي على آيات كريمة كثيرة تصف الكون، ويكون معناها يسير على الفهم ويقبله كل جيل بما توفرت لهم من معارف، بما فيها جيلنا والأجيال القادمة، من أجيال ما بعد الثورة العلمية والتقنية الحديثة.
بعد تجربة وتفكير عميقين في سؤال واجهني به المنكرون للقول إن القرآن كتاب علوم. كان السؤال يقول، إن كان القرآن الكريم يحتوي على نظريات علمية كما يدعي من أصطلح على تسميتهم بالمفسرين العلميين للقرآن الكريم، فلماذا لا تصرحون بها؟ وبذلك نتقدم الأمم قاطبة، ونوفر على الإنسانية طائل الأموال التي ننفقها على البحوث العلمية. كانت محاولة الإجابة عن هذا السؤال تشغلني كثيرا منذ أن كتبت كتابا في التفسير العلمي للقرآن ونشرته عام 2009 م تحت اسم"والذاريات ذروا"، وخصصت الجزء الأول منه للرد على من ينكرون مقولة إن القرآن كتاب علوم. صحيح إن القرآن يصف نفسه في أوائل سورة البقرة بأنه كتاب هداية، ولكن المنطق والواقع يقول أنه لا هداية دون تعليم، فالتعليم هو الوسيلة الوحيدة لهداية الإنسان. ولكن يبقى السؤال دون إجابة، لماذا لا نفهم