الصفحة 9 من 28

وفي كتاب آخر للكاتب الكريم عنوانه"في الاشتقاق اللغوي والمعجم الاشتقاقي"، يشرح بعضا من خصائص العربية، وفيه يعرض لخمس خصائص للغة العربية منها المعنى المحوري والفصل المعجمي وتصاقب (= تقارب) الألفاظ لتصاقب المعاني ثم قال:"إن ذلك دال على إحكام العربية، وأن ألفاظها ليست عشوائية، وإنما لكل منها أصله الذي أُسْس عليه معناه المتعامَلُ به. وأردف: إن اللغة العربية لها أسرار، وليست كاللغات الأخرى تؤدي وظيفتها فحسب، وأنا قلت كل ما قلته - عن مميزات اللغة العربية- بناء على دراسة علمية بحته. وكل الخصائص الخمس المذكورة هي كَشْفُ لا اختراع، أي أنها متحققة في اللغة من أول الشعر الجاهلي إلى الآن، ونحن كشفناها ولم نخترعها وشأن هذه الخصائص كشأن قواعد النحو والصرف كُشفت ولم تخترع. فإذا سألتني عن سر هذا قلت لك ليس عندي جواب. وإنما هذه خصائص متحققة في اللغة أسهمت مع الأئمة في كشفها وتوضيحها، وليس لي علم بسر وجودها في العربية. وإنما أقول إن هذه اللغة العربية أَنفَسُ اللغات البشرية وتستحق أن نهتم بها بأقصى إمكاناتنا. ودعك من قول الأوربيين وتلاميذهم ليس هناك لغة أفضل من لغة. فإن اللغات تتفاضل في وظيفة اللغة وهي القدرة على التعبير. وما نراه من تقدم الإنجليزية والفرنسية والألمانية في انتشارهن واستعمال العالم لهن أكثر من العربية؛ فذلك من تقصيرنا تقصيرا فاحشا في حق لغتنا في تعليمها وفي الالتزام بها، مقابل دأبهم في الكد لخدمة لغتهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد (أهـ، ص 74) ."

سبق أن ألمحت أنه أثناء دراستي لبعض المفردات القرآنية التي لها دلالة علمية؛ لاحظت إن الدلالة العلمية للفظة القرآنية يمكن استنباطها من كلا من المعنى المحوري للفصل المعجمي (= الأصل الثنائي للفظة) ، والمعنى المحوري للتركيب الثلاثي (= الجذر الثلاثي) ، وبذلك يمكننا تأصيل المصطلحات العلمية وترجمتها من الإنجليزية إلى العربية، بل وتصحيح وتعديل بعض الدلالات، أو شرحا لبعض النظريات العلمية، وربما توضيح نظريات ما زالت لم يحسمها العلم بعد، وبذلك نقف على أرض صلبة عند ترجمة الكتب العلمية وأوراق البحوث العلمية، ولكن كل ذلك يحتاج إلى سرعة وحشد للهمم. لا يجب أن يأخذ كلامي هذا على محمل رفض البحوث العلمية والاعتماد على التحليلات اللغوية فحسب، ولكني أقول بمزاوجة البحث العلمي مع التقصي عن الدلالة العلمية في اللفظة القرآنية. كل ما نحتاجه هو إعداد المفسر المدقق الذي يملك زمام لغة القرآن مع معرفة صحيحة للنظريات والمكتشفات العلمية الحديثة. ولاحقا سوف أعطي بعض الأمثلة التي تبين كيفية استنباط الدلالة العلمية من كلا من المعنى المحوري للفصل المعجمي والمعنى المحوري للجذر الثلاثي المشتق منه. قد يبدو هذا الكلام وكأنه"خيال علمي"يتأتى من الشوق الشديد إلى اللحاق بركب العلم والعلماء بعدما مرت علينا - نحن العرب - قرونا من التخلف، ولكن على كل مؤمن ألا يتعجب من كتاب كان الله سبحانه وتعالى هو المخرج، فها هو يقول، عز من قائل:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت