العرب ... » [1] . هذا التَّقرير يُفيد أنَّ الفحولة منزلةٌ متى توفَّرت شروطها في الشاعر، أمكن له أن يكون من أهلها، سواء أدرك الجاهلية أم لم يُدركها؛ ولعلَّ هذا ما يُفسِّر قوله عن أعشى همدان: «هو من الفحول، وهو إسلامي كثير الشعر» [2] . فلم يكتف بإصدار الحكم، وإنما شفعه بالتنبيه على أنه -مع إسلاميته- كثير الشعر؛ فكأنَّ هذه الكثرة هي التي شفعت للأعشى عنده، فأثبت فحولته.
لكن لماذا تحفَّظ الأصمعي عن إطلاق هذا الوصف على عامَّة الإسلاميين من الشعراء، وفيهم من استجمع الشرائط المشار إليها آنِفًا، لعلَّ ذلك راجع - بالأساس - إلى أمرين:
الأول: ما جرى عليه شيوخ الأصمعي، وفي مُقدِّمَتهم أبو عمرو بن العلاء من قَصر الفحولة على النموذج الجاهلي، فقد كان ذلك تقليدا سائدا، يعسُر الخروج عليه. فقد قال له أبو حاتِم السجستاني: «سمعتك تفضل جريرا على الفرزدق غير مرة، فما تقول فيهما وفي الأخطل؟ فأطرق ساعة، ثم أنشد بيتا من قصيدته:
لَعَمري لَقَد أَسرَيتُ لا لَيلَ عاجزِ ... بِساهِمَةِ الخَدّين طاويَةِ القُرب
فأنشد أبياتًا زُهاء العشرة، ثم قال: من قال لك إن في الدنيا أحدا قال مثلها قبله ولا بعده، فلا تصدقه. ثم قال: أبو عمرو بن العلاء كان يفضله، سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: لو أدرك الأخطل من الجاهلية يوما واحدا، ما قدمت عليه جاهليا ولا
(1) تقدم.
(2) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 14.