الصفحة 30 من 51

وقال: «ليس للعرب قصيدة على هذا الروي أجود منها، وهي التي ألحقت بِشرًا بالفحول [1] ، وهذه في قريبٍ من أربعين بيتا، تلي التي قبلها في الطول.

يبقى النظر في نقطة هامة؛ وهي: أن القلة الشعرية قضية نسبية، فما بأيدي الرواة من شعر الشعراء ليس هو كل شعرهم، وهذا باعتراف أولئك الرواة، يشرح ذلك ابن سلام الجمحي؛ فيقول: «وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون .... فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلو بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يَئِلوا إلى ديوان مُدوَّنٍ، ولا كتاب مكتوب، فألَّفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير. وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول، وما مُدِح هو وأهل بيته به، فصار ذلك إلى بني مروان أو صار منه» [2] .

ويستدل ابن سلام على ما ما ذكره بقوله: «ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقي منه بأيدي الرواة المُصحِّحين لطَرَفة وعَبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر. وإن لم يكن لهما غيرهن، فليس موضعهما حيث وضعا من الشُّهرة والتقدمة، وإن كان ما يروى من الغثاء لهما، فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة. ونرى أن غيرهما قد سقط

(1) انظر: ابن الأنباري، القاسم بن محمد، شرح المفضليات، تح: كارلوس يعقوب لايل، مطبعة الآباء اليسوعيين، لبنان، 1920. ص 648.

(2) انظر: الجمحي، محمد بن سلام، طبقات الشعراء. ص 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت