من كلامه كلامٌ كثيرٌ، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعلَّ ذلك لذاك فلما قَلَّ كلامهما، حُمِل عليهما حملٌ كثيرٌ» [1] .
فإذا كان السَّاقِطُ من الشعر كثيرا، لم يعُد للمعيار الكمي ذاك الثِّقل، ولا شكَّ أن هذا الأمر لم يكن غائبا عن أذهان النُّقَّاد الأوائل، فقد قال أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعر كثيرٌ [2] . ولعلَّه لذلك لم يستقِرَّ الأصمعي وأضرابه على نصاب مُعيَّن يشترط توفره في الرصيد الشعري للفحل، ربما لإيمانهم بأن ذلك سيُقصي كثيرا من الشعراء عن تلك المرتبة، لا لشيء إلا لأنَّ الشفهية التي كانت مُسيطرة على المنظومة الثقافية العربية، ضيَّعت كثيرًا مما قالوه.
وبالنسبة لمعيار الجودة؛ فواضحٌ أنه لا محيد عنه في الحكم للشاعر بالفحولة، فكلما كثُر الجيد في قريضه، كلما ارتفعت منزلته، وحلَّق عاليا في سماء الريادة. قال الأصمعي: «أولهم كُلُّهم في الجودة امرؤ القيس، له الحظوَة والسبق، وكلُّهم أخذوا من قوله، واتَّبعوا مذهبه» [3] . ثم إنَّ الجودة قد تكون في رَوِيٍّ بعينه أو غَرضٍ بعينه؛ فمرثية أعشى باهلة ليس في الدنيا مثلها [4] ، كما أنَّ ميمية بشر بن أبي خازم أجود الميميَّات الجاهلية،
(1) نفسه. ص 35.
(2) نفسه. ص 34.
(3) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 9.
(4) في رثاء أخيه لأمه (المنتشر بن وهب) مطلعها:
إنّي أَتَتني لِسانٌ لاَ أُسَرُّ بها ... من عُلوَ لا كذب فِيهَا ولا سَخَرُ
انظر: الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 15.