على سائر شعراء الجاهلية، وسألتُه آخر ما سألته قُبَيل موته: مَن أوَّل الفحول؟ قال: النابغة الذبياني، ثم قال: ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول امرئ القيس:
وَقاهُم جِدُّهُم بِبَني أَبيهِم ... وَبِالأَشقينَ ما كانَ العقابُ
قال أبو حاتم: فلما رآني أكتب كلامه فكَّر، ثم قال: بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس، له الحظوَة والسبق، وكلُّهم أخذوا من قوله، واتَّبعوا مذهبه، وكأنه جعل النابغة الذبياني من الفحول» [1] . واضحٌ أن وصف الشاعر بالفحولة وترتيب الفحول ووضعهم ضمن طبقات أمرٌ يحكُمه الاجتهاد، وواضحٌ أيضًا أنَّ النُّضج والتجربة كفيلان بتغيير هذا الاجتهاد. فالنابغة قد زُحزح عن رئاسة الفحول في لحظة تأملية، ليَحُلَّ محلَّه امرؤ القيس، بل قد قال الأصمعي: «ودُرَيد في بعض شعره أشعر من الذبياني، وكاد يغلب الذبياني» [2] .
والخلاصة: أن فكرة طبقات فحول الشعراء كانت ماثلة في تفكير الأصمعي وأحكامه، إلا أنها تجلَّت بصورة أوسع وأوضح عند محمد بن سلاَّم الجُمحي، والذي جاء جهده تتميما للنقص في ترتيب الفحول ضمن طبقات [3] .
2 -إعادة صياغة الخارطة الشعرية: وذلك من خلال زحزحة بعض أصحاب المعلقات عن رتبة الريادة الشعرية، وفي ذلك خرق للعُرف السَّائد بين الناس؛ فقد أخَّر
(1) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 9.
(2) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 15.
(3) انظر: إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب. ص 59.