وكذلك من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى على أهل الأرض أنه ينزل لهم من السماء ما يفتح عليهم من الرزق؛ يقول سبحانه وتعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2] .
قيل: ما يفتح الله للناس؛ أي: الموسَّع عليه رزقُه، لا يضيق عليه غيرُ الله، والمحروم لا يوسِّع عليه غير الله.
ويقال: ما يلج في القلوب من العارفين من أنوار التحقيق لا سحاب يستره، ولا ضياء يقهره.
ويقال: ما يلزم قلوب أوليائه من اليقين فلا مزيل له، وما يغلق على قلوب الأعداء من أبواب الذِّكر فلا فاتح له غيره سبحانه، ويقال: الذي يقرنه بقلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا ممسك له، والذي يمنعه عن أعدائه - بما يلقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها - فلا ميسر له من دونه [1] .
وقيل: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ} ؛ أي: رزقٍ ومطر، فلا يقدر أحد أن يمسكه، والذي يمسك لا يرسله أحد [2] .
وقيل: أي من عافية {فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} ؛ أي: لا حابس لها، وقوله: {وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} ؛ أي: ما يمنع فلا مرسل له من بعد الله؛ أي: سوى الله.
وقد ثبت أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول عقيب صلاة الفريضة: (( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ ) )، وثبت أنه قال هذه اللفظة في القيام بين الركوع والسجود، وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ؛ أي: الغالب في مُلكه، الحكيم في تدبير خَلْقه) [3] .
(1) لطائف الإشارات - تفسير القشيري، عبدالكريم بن هوازن بن عبدالملك القشيري، ت: 465 هـ، المحقق: ابراهيم البسيوني، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، الطبعة الثالثة، (ج 3/ص 191) .
(2) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري، الشافعي، ت: 468 هـ، تحقيق: صفوان عدنان داودي، دار النشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق - بيروت، الطبعة الأولى 1415 ه، (ج 1/ص 889) .
(3) تفسير القرآن، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبدالجبار بن أحمد المروزي، السمعاني، التميمي، الحنفي، ثم الشافعي، ت: 489 هـ، المحقق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، الناشر: دار الوطن، الرياض - السعودية، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م، (ج 4/ص 345) .