وقيل: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58] ؛ أي: الغفور البليغ المغفرة، وهو إشارة إلى دفع المضارِّ، {ذُو الرَّحْمَةِ} : الموصوف بالمرحمة، وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة لا في الرحمة؛ لأن المغفرة ترك الإضرار، وهو تعالى قد ترك مضارَّ لا نهاية لها، مع كونه قادرًا عليها، أما فعل الرحمة فهو متناهٍ؛ لأن ترك ما لا نهاية له فممكن، أما فِعل ما لا نهاية له فمحال [1] .
ويمكن أن يقال: المراد أنه يغفر كثيرًا؛ لأنه ذو الرَّحمة، ولا حاجة به إليها [2] .
قال تعالى: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة: 218] .
إن رحمة الله للمؤمنين مستحقة، ففيه جوابان:
أحدهما: أنهم لما لم يعلَموا حالهم في المستقبل، جاز أن يرجوا الرحمة، خوفًا أن يحدُثَ من مستقبل أمورهم ما لا يستوجبونها معه.
الثاني: أنهم إنما رجَوُا الرحمة؛ لأنهم لم يتيقَّنوها بتأدية كلِّ ما أوجبه الله تعالى عليهم [3] .
فالجهاد في سبيل الله تعالى هو باب الجنة، وهو رهبانيَّة هذه الأمة؛ فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: (( رهبانيَّةُ هذه الأمَّة في الجهاد في سبيل الله عز وجل ) ) [4] .
فبيَّن الله سبحانه جزاءهم فقال: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة: 218] ؛ أي: إن أولئك المتَّصفين بالجهاد ليس من شأنهم أن يخافوا العذاب لخطأٍ غير مقصود في الجهاد، بل إنهم يرجون الرحمةَ والثواب، ومن رجا طلب، ومن خاف هرب، فلا تخافوا في الجهاد إلا الله، ومن أخطأ فله أجر [5] .
قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] .
(1) في الأصل النسخة الأميرية: (أما فِعل ما لا نهاية له محال) .
(2) مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي، الملقب بفخر الدين الرازي، خطيب الرَّيِّ، (ت: 606 هـ) ، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، 1420 هـ، (ج 21/ص 476) .
(3) تفسير الماوردي = النكت والعيون، الشهير بالماوردي، (ت: 450 هـ) محقق: السيد بن عبدالمقصود بن عبدالرحيم، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، (ج 1/ص 275) .
(4) رواه أحمد، رقم الحديث: (13306) في مسنده.
(5) زهرة التفاسير، محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد، المعروف بأبي زهرة، (ت: 1394 هـ) ، دار النشر: دار الفكر العربي، (ج 2/ص 695) .