الصفحة 15 من 36

المطلب الأول: معاني الرحمة في القرآن الكريم

1 -الرحمة صفةٌ من صفات الله سبحانه وتعالى؛

قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] ، تعني الآية الكريمة أنَّ مَن دخل في رحمة الله تعالى لم تعجِزْ عنه.

وقيل: وسعت كلَّ شيء من الخَلْق، حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها [1] .

وقيل: إن الله تعالى قال: إن الزلزلة والرجفة كانتا عذابي، وأنا أنزلتها، وأنا أصيب بالعذاب من أشاء، وما سئلتُ من الغفران فمن رحمتي، ورحمتي وسعت كلَّ شيء مَن كان أهلًا لها، ويقال: لكلِّ شيء حظ من رحمتي.

وروى عبدالرزَّاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهري، عن قتادة والحسن قالا: ورحمتي التي وسعت كلَّ شيء، يعني: وسعت في الدنيا البَرَّ والفاجر، وفي يوم القيامة للذين اتَّقَوا خاصة.

ويقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} يعني: طمع كل قوم برحمتي، وأنا أوجبتُها للمؤمنين، وهم أُمَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذين يتَّقون الشِّرك، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون، يعني: يصدِّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن [2] .

وعندما كتب الله سبحانه وتعالى الرحمةَ على نفسه، جعَل العباد يتعلقون به، رغبةً في رحمته، وخوفًا من عذابه؛ فهم يطمعون أن تنالَهم رحمةُ الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، ويوم القيامة؛ لأن الناسَ في ذلك اليوم أكثر ما يكونون حاجة إلى تلك الرحمة، التي من نالها فقد فاز فوزًا عظيمًا.

قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58] .

لَمَّا أخبر الله تعالى عن القوم الذين حتم بكفرهم، أنهم لا يهتدون أبدًا، عقَّب ذلك بأنه للمؤمنين، الغفورُ ذو الرحمة، ويتحصل للكفار من صفته تعالى بالغفران والرحمة ترك المعاجلة [3] .

(1) إعراب القرآن، أبو جعفر النحاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (ت: 338 هـ) ، وضع حواشيه وعلق عليه: عبدالمنعم خليل إبراهيم، الناشر: منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1421 هـ، موافق للمطبوع، (ج 2/ص 75) .

(2) بحر العلوم، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي، (ت: 373 هـ) ، (ج 1/ص 555) .

(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبدالحق بن غالب بن عبدالرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي، (ت: 542 هـ) ، المحقق: عبدالسلام عبدالشافي محمد، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1422 هـ، (ج 3/ص 552) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت