الصفحة 17 من 36

في هذه الآية الكريمة يدعو موسى ربَّه أن يكتب له ولقومه في هذه الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة؛ أي: يجعل لهم حظًّا من رحمته في الدنيا والآخرة بعد أن تابوا إليه، وقالوا: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] ؛ أي: رجَعْنا إليك بعد أن فارقناك بعبادة غيرك، والمراد بالحسنة في الدنيا: النِّعم، وسَعة الرِّزق، وعبر عنها بالحسنة؛ لأنها مما يحسُن وقعُه وأثرُه في النفوس.

فرحمةُ الله سبحانه وتعالى هي عامَّة شاملة، تسَعُ الوجود كله، وهي - على سَعتها وعمومها وشمولها - لا ينالها إلا أهل طاعته، الذين آمنوا واتَّقَوا.

والذي ينبغي الالتفاتُ إليه هو أن اللهَ سبحانه وتعالى لم يستجِبْ لموسى ما سأل في قومه أن يكتب لهم في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة؛ إذ كان قولُ الله لموسى: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] حُكمًا عامًّا، يقع على الناس جميعًا، لا يتعلق بهذا الدعاء الذي دعا به موسى ربَّه.

وفي هذا ما يدل على أن الله سبحانه لم يشمل بني إسرائيل بتحقيق هذا الدعاء فيهم، بل وضعهم جميعًا تحت الحُكم العام الذي يأخذ الله به عباده، وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى يعلم مِن هؤلاء القوم أنهم لن يستأهلوا هذه النعمة التي لو استجاب الله لموسى فيها، لكانت بركة تحفُّ بهم إلى يوم القيامة؛ ذلك أن القوم قد مستهم لعنةُ الله قبل ذلك، وتنزَّل بهم غضبه، فكان ذلك هو الثوب الذي يلبسونه وتلبسه أجيالهم المتتابعة أبد الدهر.

وانظر كيف أن الله تعالى استجاب لجميع أنبيائه فيما سألوه لأقوامهم من خير أو شرٍّ، أما هنا إذ يدعو موسى ربَّه له ولأخيه ولقومه، فلا يقبل الله هذا الدعاء على إطلاقه، بل يقبَلُه في المؤمنين الذين يستقيمون على طريقِ الإيمان والخير [1] .

قال تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} [الإسراء: 100] .

إن المراد بقوله تعالى: {خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} ؛ أي: خزائن المال والنِّعم التي تصرف في الأرزاق، والإنفاق المعروف: هو إذهاب المال، وهو مؤدٍّ إلى الفقر.

فكأن المعنى: تبخلون خشية عاقبة الإنفاق، وكان طبع الإنسان ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فلو ملَك خزائن رحمة الله لأمسكَ؛ خشيةَ الفقر [2] .

(1) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم يونس الخطيب، (ت: بعد 1390 هـ) ، الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة، (ج 5/ص 492 - 493) .

(2) التفسير الوسيط للزحيلي، د. وهبة بن مصطفى الزحيلي، الناشر: دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1422 هـ، (ج 2/ص 1391) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت