فليضلوا ما شاؤوا؛ فإن لهم يومًا يرجعون فيه إلى ربهم، فيحاسبهم على ما اجترحوا من السيئات.
والخلاصة أنهم حين الضرر يدعون الله وحده، وإذا أسبغ عليهم نِعَمه، إذا فريقٌ منهم يشركون به سواه، ويعبدون معه غيره [1] .
إن المواصلةَ وعدم القعود بالرغم من حجم المصيبة ترفع المعنوياتِ؛ فإن الله تعالى واسع كل شيء في رحمته.
وهناك بعض الآيات الكريمة التي تفسِّر لنا هذه الرحمة، فسنتناول منها:
* قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147] .
في قوله - سبحانه وتعالى - التفات إلى النبي الكريم، وتلقين له بكلمات الله التي يردُّ بها على اليهود، الذين يكذِّبون بما أخبر القرآن الكريم من تحريمِ ما حرم الله عليهم من طيِّبات.
{رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} : في هذا وعيد لليهود، وأنهم مع سَعة رحمة الله لا ينالون هذه الرحمة، ولا يدخلون فيمن يرحمهم الله من عباده؛ لأنهم جحدوا حق الله تعالى.
يلاحظ أن الآية الكريمة لم تلقَهم بالتحريم لقاءً مباشرًا، بل جاء الحُكم على المجرمين حكمًا عامًّا، يشملهم ويشمل غيرهم من المجرمين؛ وذلك أن الآية والسورة كلها مكية، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد التقى باليهود مباشرة، وإنما هذه الإشارات البعيدة هي إرهاص بما سيكون بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم من لقاء مباشر، وأنهم لن يلقَوُا الرسولَ عليه الصلاة والسلام بالسلام والتسليم، بل سيلقَوْنه بما عُرِف عنهم، بالبُهت والتكذيب [2] .
* قوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 49] .
(1) تفسير المراغي، أحمد بن مصطفى المراغي، (ت: 1317 هـ) ، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الأولى، 1365 هـ - 1946 م، (ج 21/ص 49) .
(2) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم يونس الخطيب، (ت: بعد 1390 هـ) ، دار الفكر العربي - القاهرة، (ج 4/ص 333) .