الصفحة 29 من 36

* قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 84] .

أي: استجابة الله تعالى لدعاء أيوب، وما امتنَّ عليه به في رفع البلاء، وما ضاعف له بعد صبره من النعماء؛ لتعلَمَ أن النَّصر مع الصبر، إن عاقبة العسر اليسر، وأن ذلك الأسوة بمثل هذا النبي الصبور فيما ينزل بك أحيانًا، وأن البلاء لم ينجُ منه الأنبياء، بل هم أشد الناس ابتلاء؛ كما في الحديث: (( أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل ) ) [1] .

وأن من أسباب الفرج دعاءَه تعالى، والابتهال إليه، والتضرُّع له، وأن السعادة والشَّقاء في هذا العالم لا يترتَّبان على صالح الأعمال وسيِّئها؛ لأن الدنيا ليست دارَ جزاء، وأن عاقبة الصدق في الصبر هي توفيةُ الأجر، ومضاعفة البِر.

وقد روي أن أيوب عليه السلام لما امتُحن بما فقد معه أرزاقه، وهلك به جميع آل بيته، وصبر وشكَر، رحمه مولاه، فعادت له صحتُه، وأوتي أضعاف ما فقده {ذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 84] ؛ أي: تذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر؛ حتى يُثابوا كما أثيب، في الدنيا والآخرة، وبالجملة هو تثبيت قلوب المؤمنين [2] .

* وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33] .

أي: إذا أصاب كفَّارَ مكة شدةٌ، دعَوْا ربهم ليرفع الشدة، مقبلين إليه بالدعاء، ثم إذا أذاقهم منه - أي من الضر - رحمةً؛ أي: خلاصًا، إذا فريق منهم - أي الكفَّار - بربِّهم يشركون [3] .

ولما أرشد سبحانه إلى التوحيد وأقام الأدلة عليه، وضرب له المَثَل، أعقبه بذِكْر حال المشركين، يعرفون بها، وسيماءَ لا ينكرونها، وهي أنهم حين الشدة يتضرَّعون إلى ربهم، ويُنِيبون إليه، فإذا خلصوا منها، رجعوا إلى نشأتهم الأولى، وأشركوا به الأوثان والأصنام.

(1) أخرجه الترمذي في الزهد، 57 - باب ما جاء في الصبر على البلاء، عن سعد.

(2) محاسن التأويل، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، (ت: 1332 هـ) ، المحقق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1418 هـ، (ج 7/ص 213) .

(3) مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليمًا، التنازي بلدًا، (ت: 1316 هـ) ، الطبعة الأولى، 1417 هـ، (ج 2/ص 230) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت