أُولئك سيرحمهم الله ويدخلهم في رحمته الواسعة التي كتبها لهم رحمة خالصة من شوائب الكدر والشقاء، إن الله عزيز لا يُغلَب، حكيم في كل صنع، وهذا تدليل مناسبٌ لهذا العطاء الكبير للمؤمنين [1] .
لقد جعل باب التوبة مفتوحًا لمن تاب، ويفرح بمن رجع إليه وأناب؛ ولهذا فقد كتب على نفسه أن يغفر ذنبَ كل من عمل سوءًا بجهالة ثم تاب من ذلك السوء أو الذنب؛ قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] .
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فمنهم من قال: إنها نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيَّه عن طردهم، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام [2] .
ومنهم من قال: إنها نزلت في أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة رضي الله عنهم أجمعين.
{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ؛ أي: قضى على نفسه الرحمة، أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة.
قال مجاهد: لا يعلَمُ حلالًا من حرام؛ فمن جهالته ركِبَ الذَّنب.
وقيل: جهالته من حيث إنه آثر المعصيةَ على الطاعة، والعاجل القليل على الآجل الكثير، ثم تاب من بعده، ورجع عن ذنبه، وأصلح عمله.
وقيل: أخلص توبته؛ فأنه غفور رحيم [3] .
وأيضًا قال تعالى: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] .
جاء القنوط هنا بمعنى الآيسين من الولد؛ فإن الله تعالى قادرٌ على أن يخلُقَ بشرًا من غير أبوين، فكيف من شيخ وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة؛
(1) التفسير الواضح، محمد محمود الحجازي، دار الجيل الجديد - بيروت، الطبعة العاشرة، 1413 ه، (ج 1/ص 906)
(2) ذكره الواحدي في أسباب النزول 435 عن عكرمة بدون إسناد.
(3) معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي، محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، (ت: 510 هـ) ، المحقق: عبدالرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1420 هـ، (ج 2/ص 128) .