{وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} لما كان القرآن شفاءً للأمراض الباطنة والظاهرة، فهو جدير بأن يكون رحمة للمؤمنين؛ لأن المؤمن ينتفع به، أما الظالم فلا ينتفع به [1] .
* قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .
المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض بالنُّصرة والمعونة، والمساعدة في السَّراء والضراء، والوقوف بجانب بعض في الشدائد والمكروه، بعضهم أولياء بعض ولايةَ أخوَّة ومودة ومحبَّة وصداقة؛ فنبيهم صلى الله عليه وسلم يقول: (( مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم كمَثَل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحمَّى ) ) [2] .
فهذا هو أساسُ الإيمان، وطبعًا لا فرقَ بين ذكَر وأنثى، فكان في العصر الأول النساء يقُمْنَ بالمعونة والنُّصرة في الحروب وغيرها على قدر طاقتهن، مع التجمُّل بالأدب والحياء، ولُبس لباس الدِّين والعفاف، وإقامة الصلاة؛ أي: إتيانها مقومة كاملة تامة الأركان والشروط، فيها الخضوع الكامل والخشوع لله، ومراقبته وذكره، وإتيان الزكاة دليلُ كمال الإيمان والخشية من الله، والأمل في رضائه ورضوانه، وخُصَّ هذان الركنان بالذكر لأنهما علاج الهلَع والجزع، والبخل والخور؛ فهذه أمراض تدفع صاحبَها إلى الإحجام عن الدفاع عن الحق، وإعلاء كلمة الله، وتدفع إلى الشُّح الصَّادِّ عن الإنفاق في سبيل الله.
وقد جعَل الله هذه الأربع: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، أساسَ النجاح في الدنيا، ووسيلة العمران، وإقامة الدولة المسلمة الصالحة للتَّمكين في الأرض.
والمؤمنون والمؤمنات من صفاتهم أنهم يطيعون اللهَ ورسوله؛ بامتثال الأمر، واجتناب النَّهي.
(1) لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي، أبو الحسن، المعروف بالخازن، ت: 741 هـ، تحقيق وتصحيح: عبدالسلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1415 هـ، (ج 3، ص 144) .
(2) صحيح مسلم، (ص 1001) ، رقم الحديث: 2586، كتاب البر والصلة والأدب، وأيضًا البخاري، كتاب الأدب، رقم الحديث: 6011، عن الشعبي عن النعمان بن بشير.