الصفحة 26 من 36

ولذلك قال: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] ؛ أي: الخاطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سَعةَ رحمة الله تعالى، وكمالَ عِلمه وقدرته [1] .

ولذلك فإن الفائدةَ التربوية المتوخاة من هذه الآية الكريمة أنَّ كل من عمل سوءًا أو ذَنْبًا أو معصية عليه ألا يقنَط من رحمة الله؛ ذلك أنه يغفر جميع الذنوب والخطايا لمن تاب وآمن وعمل صالحًا.

ثالثًا: لأجل الهداية:

الهداية إلى الصراط المستقيم أجلٌ مطلوب، وأعظم مسؤول، ونيله أشرف المواهب، وهي أكبر نعمة يُنعِم بها الهادي سبحانه على من يشاء من عباده؛ فعلى العبد أن يسألَ الله تعالى الهدايةَ إلى الصراط المستقيم.

ولهذا فإن العبد يسأل اللهَ تعالى الهداية في اليوم والليلة؛ كما في سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] .

وسأذكر لك بعض الآيات التي تبين الهداية إلى الصراط المستقيم.

* قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] .

جاء في الآية الكريمة الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى أنزل التوراة على موسى بعد هلاك فرعون وقومه والأمم الأخرى من عاد وثمود وقرية قوم لوط وغيرها.

والقصد بهذا الإخبار التمثيل لقريش بما تقدم في غيرها من الأمم.

وقيل: إن الآية مضمنة أن إنزال التوراة على موسى هو بعد أن رفع اللهُ تعالى عذاب الأمم، فلم تعذَّب أمة بعد نزول التوراة إلا القرية التي مُسِخت قِرَدة فيما روي.

وقوله: {بَصَائِرَ} نصب على الحال؛ أي: طرائق هادية، وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ؛ أي: على ترجي البشر وما يعطيه تأميل من أمَّل الأمر.

ورُوي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ما أهلك الله تعالى أمَّةً بعذاب منذ أنزل إلى الأرض، غير القرية التي مُسِخت قِردة، وهم الذين تعدَّوا في السبت.

(1) أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ناصر الدين أبو سعيد عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، (ت: 685 هـ) ، المحقق: محمد عبدالرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1418 هـ، (ج 3/ص 213) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت