الصفحة 10 من 46

وما فتِئوا يُغذُّون هذه الأدوات، ويسخِّرونها؛ لتأتيَ بنتائجَ تقرِّب أهدافَهم الأدبية والمادية؛ يقول الأستاذ عباس محمود العقَّاد - في كتابه"ما يقال عن الإسلام": فليستْ حركةُ التبشير اليومَ تنافسًا بيْن المبشِّرين والإسلام؛ لكسْب القبائل الإفريقيَّة، ولكنَّها حملةٌ من التبشير على الإسلام لغزوِه في عُقْر داره، واستعانة على هذا الغزو بمحترِفي التبشير الإفريقيِّين تلاميذ المبشِّرين الأوروبيِّين، ومخالفته بيْن الاستعمار والوطنية الإفريقية من طريق ملفوفٍ لمحاربة الإسلام، تارةً بدعوَى الوطنية، وتارةَ بدعوى الدِّين.

هذه الطريقة تُتبع في إفريقية الشرقيَّة، وتُتبع في البلاد الآسيوية التي تمكَّن التبشير من اجتذاب فريقٍ منها إليه، فسبيله منذ اليوم أن يجنِّدَ الإفريقيِّين والآسيويِّين للحملة على الإسلام في كلْتا القارتين، ويتوخَّى هذه الخطَّةَ بعينها كلُّ مَن يُجنِّدون الدعاية لتحويل المسلمين عن دِينهم، وإقناعهم بدعوة الأديان الأخرى، أو بدعوة المادية والإلْحاد، فإنَّهم يستترون ثم يدْفعون أمامَهم تلاميذهم الإفريقيِّين والآسيويين، ويعقدونها محالفةً خفيَّة بيْن الاستعمار من بعيد، وبيْن القوميَّة الإفريقيَّة الآسيوية من قريب.

إنَّ هذه التعبئةَ الجديدة توافِق ظروفَ الأحوال كما يُقال، وتتدارك الأزْمة التي وقَع فيها الاستعمار بعدَ الصَّدمات التي لقِيَها ويلْقاها تباعًا من شعوب القارتَيْن، فهو بهذه التَّعْبئة يحاول أن ينقُلَ السلاح من يدِه إلى الوطني الإفريقي، والوطني الآسيوي، وليس له مِن عدوٍّ يُحارِبُه بهذه اليدِ أو بتلك غير الإسلام.

وما تَزَال في بلاد الإسلام أعدادٌ هائلة من المبشِّرين النصارى، ومِن المدارس التبشيريَّة، بل لقد كان الهدفُ الأساسي من حملات التبشير هو الإسلامَ، ومحاولة القضاء عليه في عُقْر داره، فقد كان المبشِّرون يَعتبِرون الإسلامَ القوةَ العتيدة التي تُحطِّم أحلامهم، وتقاوم بصلابةٍ عظيمة دعاواهم وأمانيَهم في أن يُصبِح العالَم بلدًا مسيحيًّا، تحكُمه دولة المسيحيِّين من الفاتيكان.

وقد وضَع المستعمِرون خططًا رهيبة، استخدموا فيها كلَّ الوسائل، وأطْبقوا بواسطتها على جميع بلادِ المسلمين، وتوغَّلوا بيْن ربوعها، وبعْد رحيلهم ترَكوا مخلَّفات ومبشِّرين، وأدوات تنفذ رغائبَهم، وتنصاع لغزوهم الفِكريِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت