الصفحة 24 من 46

يرتكبونها ضدَّ المسلمين في البلاد المستعمَرة؛ يقول اللورد اللنبي - قائد الحملة على فلسطين - بعدَ أن استولى على القدس: اليوم انتهتِ الحروب الصليبيَّة، وعادت القُدس لأحضاننا.

وهذه عقليةُ المستعمِرين التي جاؤوا بها يجرُّون أساطيلَهم وجيوشَهم إلى بلاد المسلمين؛ يقول غاردنر: لقد خاب الصليبيُّون في انتِزاع القُدس من أيدي المسلِمين؛ ليقيموا دولةً مسيحيَّة في قلْب العالَم الإسلامي، والحروب الصليبية لم تكن لإنقاذِ هذه المدينة بقَدْر ما كانتْ لتدمير الإسلام.

ويقول اليَسوعيُّون في بيان لهم: ألَمْ نكُنْ نحن ورثة الصليبيِّين؟ أوَلَمْ نرجع تحت رايةِ الصليب؛ لنستأنفَ التسرُّبَ التبشيري، والتمدُّن المسيحي، ولنعيدَ في ظلِّ العَلَم الفَرَنسي وباسم الكنيسة مملكةَ المسيح؟!

وما داموا ورثة أولئك الصليبيِّين، فمِن حقِّهم على هذا المنطق المعكوس أن يستعمِروا بلادَ المسلمين باسم الكنيسة، وتحتَ ظلِّ العلم الفرنسي (وكلُّهم في الهوى سواء) .

يقول المؤرِّخ جيبون عن المؤرِّخ فلوري في خِطابه السادس في تاريخ الكنيسة: إنَّ المسلمين كانوا - ويجِب أن يظلُّوا - في نظَر رَعاياهم من المسيحيِّين، ومِن الغرْب مغتصِبين، وعلى المسيحي شرعًا وقانونًا أن يسلبَهم ما يمتلكون من سُلطان وأموال؛ لأنَّ ما وصَل إلى أيديهم مِن ذلك كله جاء بطريق الاغْتصاب غير المشروع، وعلى الغَرْب أن ينتزعَ هذا الحقَّ المغتصَب بالحرْب، ويعاون في ذلك المسيحي الشرقي بالثورة الداخلية على الحكَّام المسلمين.

والنَّغمة التي يتغنَّى بها المستعمِرون الصليبيُّون يعزف عليها ويعمل وَفقَ مخطَّطها ركائزُهم وتلاميذهم، خطَب بعضُهم في الكونجرس الأمريكي سنة 1954، فقال: إنَّ أهمَّ الأهداف التي نسعَى إليها هو توحيدُ الدِّين واللُّغة في بلادنا، وبدون ذلك لا يمكن أن نحقِّق شيئًا من التقدُّم، وقد سُئِل عن عددٍ المسلمين في بلاده، فقال: نعَمْ توجد أقليَّة مسلِمة في الجنوب في هرر، وقد وضعْنا لهم برنامجًا منذ اثني عشر عامًا، فلا يمضي وقتٌ قصير إلا وعادتْ إلى حظيرة دين آبائها [1] .

(1) وانظر: كتاب"التبشير والاستعمار في البلاد العربية"، و"المخططات الاستعمارية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت